أسرار الصلاة
الإمام ابن قيم الجوزية (٦٩١–٧٥١ هـ)
ويليه: الذل والانكسار للعزيز الجبار (الخشوع في الصلاة)
الإمام ابن رجب الحنبلي (٧٣٦–٧٩٥ هـ)
رسالتان في أسرار الصلاة والخشوع فيها
══ الرسالة الأولى: أسرار الصلاة (ابن القيم) ══
١. عظيم مِنّة الله في شرعة الصلاة
الصلاة قرة عيون المحبين، ولذة أرواح الموحدين، وبستان العابدين، ومحك أحوال الصادقين. هداهم الله إليها رحمةً بهم وإكراماً لهم، ليس لحاجة منه إليهم بل مِنّة منه وتفضلاً عليهم.
الصلاة مأدُبة يُدعى إليها العبد ٥ مرات
لما امتحن الله عبده بالشهوات، اقتضت رحمته أن هيّأ له مأدُبة جُمعت من جميع ألوان العبادة، ودعاه إليها خمس مرات كل يوم. وجعل في كل لون من ألوان تلك المأدُبة لذةً ومنفعة ومصلحة.
الغفلة هي قحط القلوب
الغفلة عن الله هي قحط القلوب، وذكر الله غيثها. ولا حياة للقلب إلا في توحيد الله ومعرفته والإقبال عليه.
الناس ثلاثة أقسام في استعمال جوارحهم
| القسم | الوصف | المثال |
| أهل اليقظة | استعمل جوارحه فيما خُلقت له من الطاعة | رجل أُعطي أرضاً فحرثها وزرعها وحرسها |
| أهل الغفلة | عطّل جوارحه وأماتها بالبطالة والجهالة | رجل أُعطي أرضاً فأهملها حتى صارت صحراء |
| أهل الخيانة | حبس جوارحه على المعاصي والشهوات | رجل أُعطي أرضاً فجعلها مأوى للسباع والمفسدين |
٢. أسرار الوضوء والذهاب إلى المسجد
أسرار الوضوء
للوضوء ظاهر وباطن:
ظاهره: طهارة البدن وأعضاء العبادة من الأوساخ.
باطنه وسرّه: طهارة القلب من أوساخ الذنوب والمعاصي بالتوبة.
فبالشهادة يتطهر من الشرك. وبالتوبة يتطهر من الذنوب. وبالماء يتطهر من الأوساخ الظاهرة. فيدخل الصلاة مكمل الطهارة.
الذهاب إلى المسجد
العبد في حال غفلته كالآبق من ربه، قد عطّل جوارحه وقلبه عن الخدمة. فإذا جاء إلى المسجد فقد رجع من إباقه، فإذا وقف بين يديه موقف العبودية فقد استدعى عطف ربه ومولاه.
٣. أسرار أركان الصلاة وأذكارها
الحكمة من استقبال القبلة
أمر الله العبد أن يستقبل بيته الحرام بوجهه ويستقبل الله بقلبه، لينسلخ مما كان فيه من التولي والإعراض.
أسرار التكبير
قوله «الله أكبر» يتضمن أنه أكبر من كل شيء. فإذا كان في قلبه شيء يشغله عن الله دلّ على أن ذلك الشيء أكبر عنده من الله — وكان قوله «الله أكبر» بلسانه دون قلبه.
أسرار الاستفتاح والاستعاذة
- الاستفتاح: ثناء على الله وتمهيد بين يدي الحاجة — كمن يدخل على الملك فيقدم الثناء قبل طلب حاجته
- الاستعاذة: الشيطان أحرص شيء على اقتطاع القلب عن مقصود التلاوة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته، عليك بالراعي فاستغث به فهو يصرف عنك الكلب»
أسرار الفاتحة (تفصيل كل آية)
| الآية | السر والحكمة |
| ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ | إثبات كل كمال له قولاً وفعلاً ووصفاً |
| ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ | بعد ذكر العظمة والربوبية: ذكر الرحمة ليجمع بين الخوف والرجاء |
| ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ | التذكير بالمعاد والحساب ليعمل لذلك اليوم |
| ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ | «قُسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» — هذا الموضع الذي ينقسم فيه |
| ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ | أعظم دعاء يدعوه العبد: طلب الهداية — والعبد أحوج ما يكون إليه |
أسرار الركوع والسجود
- الركوع: ذلّ بظاهر الجسد — ولهذا كانت العرب تأنف منه حتى بايع بعضهم النبي ﷺ على ألا يفعله
- السجود: أعظم ما يظهر فيه الخشوع — يضع أشرف أعضائه وأعزها (الجبهة) على التراب. «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»
- الحكمة من تكرار السجود: لفضله وشرفه وقرب العبد من ربه فيه — لم يُكتفَ بسجدة واحدة في الركعة
أسرار التشهد والتحيات
التحيات لله = كل تحية يُحيّى بها الملوك من سجود وثناء وطلب البقاء — كلها لا تنبغي إلا لله الحي القيوم.
والصلوات لله = كل عبودية واستحقاقاً.
والطيبات لله = فإنه سبحانه طيّب، وكلامه طيّب، وفعله كله طيّب.
أطيب الكلمات بعد القرآن
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله
- سبحان الله = تنزيهه عن كل نقص
- الحمد لله = إثبات كل كمال
- لا إله إلا الله = انفراده بالألوهية
- الله أكبر = أنه أكبر من كل شيء وأجلّ وأعظم
٤. روح الصلاة: إقبال العبد على الله
سر الصلاة وروحها ولبّها هو إقبال العبد على الله بكليته فيها. فكما أنه لا ينبغي أن يصرف وجهه عن القبلة — كذلك لا ينبغي أن يصرف قلبه عن ربه إلى غيره.
منازل الإقبال على الله في الصلاة (٣)
| المنزلة | التوضيح |
| ١. إقبال على القلب | يحفظه ويصلحه من أمراض الشهوات والوساوس والخطرات المبطلة |
| ٢. إقبال على الله بمراقبته | يعبده كأنه يراه (الإحسان) |
| ٣. إقبال على معاني كلام الله | يتدبر القرآن ويعطي كل عبودية حقها من الخشوع والطمأنينة |
ثمرة الصلاة
لكل عبادة ثمرة. وثمرة الصلاة هي إقبال العبد على الله وإقبال الله على العبد. على حسب إقبال العبد على الله في صلاته يكون إقبال الله عليه. وإذا أعرض أعرض الله عنه.
الحكمة من قوله ﷺ «أرحنا بالصلاة»
قال ﷺ: «يا بلال أرِحنا بالصلاة» ولم يقل: «أرحنا منها»
فدلّ على أن الصلاة راحة للمحبين لا عبء عليهم. ومن استثقلها فلم يذق لذتها.
══ الرسالة الثانية: الخشوع في الصلاة (ابن رجب) ══
٥. الذل والانكسار للعزيز الجبار (الخشوع في الصلاة)
حقيقة الخشوع
أصل الخشوع: لين القلب ورقّته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته. فإذا خشع القلب تبعته الجوارح فخشعت أيضاً لأنها تابعة له.
سبب خشوع القلب
معرفة الله ومعرفة عظمته وجلاله وكماله. فمن كان بالله أعرف كان له أخشع. والقلوب تتفاوت في الخشوع بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعت له.
ثمرة الخشوع
قُرب الله من أصحابها، واستجابته لدعائهم، وجبر انكسار قلوبهم. «قال موسى: يا ربّ أين أبغيك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم، إني أدنو منهم كل يوم باعاً ولولا ذلك لانهدموا»
قسما العلم
| القسم | التوضيح |
| علم نافع (علم القلب) | ما باشر القلب فأوجب السكينة والخشية والتواضع والانكسار لله — هذا هو العلم المراد |
| علم اللسان (حجة الله على ابن آدم) | لم يباشر القلب — لا ينتفع به صاحبه وهو حجة عليه |
الخشوع أول ما يُرفع من العلم
عن عوف بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ نظر إلى السماء يوماً وقال: «هذا أوان يُرفع العلم». فقال رجل: يا رسول الله ويُرفع العلم وقد أثبت ووَعَته القلوب؟ فقال: «إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة» ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى.
فقال شداد بن أوس: «أول ذلك يُرفع: الخشوع، حتى لا ترى خاشعاً».
الخشوع الصحيح vs خشوع النفاق
- خشوع الإيمان: ينبعث من القلب إلى الجوارح — هذا هو المحمود
- خشوع النفاق: تكلّف الخشوع في الجوارح مع خلوّ القلب منه — كان السلف يستعيذون منه
مظاهر الخشوع في الصلاة
- وضع اليدين: إحداهما على الأخرى في حال القيام
- عدم الالتفات: لا التفات القلب ولا التفات البصر — «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»
- الركوع: ذلّ بظاهر الجسد
- السجود: أعظم ما يظهر فيه الخشوع — يضع أشرف أعضائه على التراب
قرب الله من المنكسرة قلوبهم
الله سبحانه جابر القلوب المنكسرة لأجله. يتقرب من القلوب الخاشعة كما يتقرب ممن يناجيه في الصلاة، ومن وفده وزوار بيته.
الملخص السريع (Cheat Sheet)
أسرار كل جزء من الصلاة
| الجزء | السر / الحكمة |
| الوضوء | ظاهر (طهارة البدن) + باطن (طهارة القلب بالتوبة) |
| الذهاب للمسجد | رجوع الآبق إلى سيده |
| استقبال القبلة | استقبال الوجه للبيت + استقبال القلب لله |
| التكبير | الله أكبر من كل ما يشغل القلب عنه |
| الاستفتاح | ثناء وتمهيد قبل الحاجة (كمن يدخل على ملك) |
| الاستعاذة | حراسة القلب من الشيطان أثناء التلاوة |
| الفاتحة | جمعت: الحمد + الرحمة + المُلك + العبادة + الاستعانة + الهداية |
| الركوع | ذلّ الظاهر لله |
| السجود | أقرب ما يكون العبد من ربه — أشرف الأعضاء على التراب |
| الجلوس بين السجدتين | دعاء: «رب اغفر لي» — تذلل واعتراف |
| التشهد | التحيات والطيبات والصلوات — كلها لله وحده |
| السلام | خاتمة الصلاة كخاتمة الحياة — «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» |
المعادلات الأساسية
روح الصلاة = إقبال القلب على الله بكليته
الغفلة = قحط القلوب | ذكر الله = غيث القلوب
الخشوع الحقيقي = ينبعث من القلب → الجوارح
خشوع النفاق = جوارح خاشعة + قلب فارغ
أقسام الناس (٣)
أهل اليقظة (طاعة) → أهل الخيانة (معصية) → أهل الغفلة (بطالة)
منازل الإقبال على الله (٣)
إقبال على القلب → مراقبة الله (الإحسان) → تدبر كلام الله
أسئلة وأجوبة للمراجعة
س١: ما موضوع رسالة «أسرار الصلاة»؟
المقارنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة والقرآن، وبيان أسرار وحِكَم كل حركة وسكنة في الصلاة. وأن كلما قوي ذوق أحدهما ضعف ذوق الآخر.
س٢: لماذا شبّه ابن القيم الصلاة بالمأدُبة؟
لأن الله دعا عبده إليها ٥ مرات يومياً، وجمع فيها ألوان العبادة — قراءة وركوع وسجود وذكر ودعاء — كمأدُبة فيها ألوان الطعام. فيصدر منها وقد شبع وارتوى وأغناه مولاه.
س٣: ما معنى «الغفلة قحط القلوب»؟
كما أن القحط ينزل بالأرض فتيبس وتموت — كذلك الغفلة تنزل بالقلب فتقسيه وتميته. وذكر الله غيث الرحمة الذي يُحيي القلب.
س٤: ما الأقسام الثلاثة للناس في استعمال جوارحهم؟
أهل اليقظة: استعمل جوارحه في الطاعة. أهل الخيانة: حبسها على المعاصي. أهل الغفلة: عطّلها بالبطالة. والثالث خاسر أعظم من الثاني لأنه خسر الدنيا والدين معاً.
س٥: ما ظاهر الوضوء وباطنه؟
الظاهر: طهارة البدن من الأوساخ. الباطن: طهارة القلب من الذنوب بالتوبة. بالشهادة يتطهر من الشرك، وبالتوبة من الذنوب، وبالماء من الأوساخ.
س٦: ما سر التكبير عند ابن القيم؟
إذا كان في قلبه شيء يشغله عن الله فإن ذلك الشيء أكبر عنده من الله — ويكون قوله «الله أكبر» بلسانه دون قلبه. فالتكبير الحقيقي: أن يكون الله أكبر في قلبه من كل شيء.
س٧: ما نصيحة ابن تيمية في الاستعاذة؟
«إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته ومدافعته — عليك بالراعي فاستغث به فهو يصرف عنك الكلب ويكفيكه». أي: استعذ بالله من الشيطان ولا تنشغل بمحاربة الوساوس.
س٨: ما روح الصلاة ولبّها عند ابن القيم؟
إقبال العبد على الله بكليته فيها. فكما أنه يستقبل القبلة بوجهه — ينبغي أن يجعل الله قبلة قلبه وروحه.
س٩: ما منازل الإقبال على الله في الصلاة؟
ثلاث: ١) إقبال على القلب فيحفظه من الوساوس. ٢) إقبال على الله بمراقبته (الإحسان). ٣) إقبال على معاني كلام الله بالتدبر والخشوع.
س١٠: لماذا قال ﷺ «أرحنا بالصلاة» ولم يقل «أرحنا منها»؟
لأن الصلاة راحة للمحبين — فيها يجدون لذة المناجاة والقرب من الله. ومن استثقلها فإنما ذلك لضعف ذوقه الإيماني.
س١١: ما حقيقة الخشوع عند ابن رجب؟
لين القلب ورقّته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته. والأصل خشوع القلب — فإذا خشع القلب تبعته جميع الجوارح لأنها تابعة له.
س١٢: ما الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق؟
خشوع الإيمان: ينبعث من القلب إلى الجوارح — محمود. خشوع النفاق: تكلّف الخشوع في الأطراف مع خلو القلب منه — كان السلف يستعيذون منه.
س١٣: ما أول ما يُرفع من العلم؟
الخشوع. قال شداد بن أوس: «أول ذلك يُرفع الخشوع حتى لا ترى خاشعاً». والنبي ﷺ كان يستعيذ بالله من قلب لا يخشع.
س١٤: ما معنى قول موسى «أين أبغيك؟»
قال موسى عليه السلام: يا رب أين أبغيك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم، إني أدنو منهم كل يوم باعاً ولولا ذلك لانهدموا. فالله جابر القلوب المنكسرة لأجله.
س١٥: ما الحكمة من تكرار السجود مرتين في الركعة؟
لفضل السجود وشرفه وقرب العبد من ربه فيه — فلم يُكتفَ بسجدة واحدة كما اكتُفي بركوع واحد. «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».