إيصال السالك إلى أصول مذهب الإمام مالك

النظم: أحمد بن محمد المحجوبي الولاتي (ت ١٢٧٥ هـ)

الشرح: محمد يحيى بن محمد المختار الولاتي (ت ١٣٣٠ هـ / ١٩١١ م)

التحقيق: مراد بوضاية

أصول الاستدلال وطرق الاستنباط عند الإمام مالك بن أنس — دار ابن حزم ١٤٢٧ هـ

تعريف بالكتاب

ما هو الكتاب؟

منظومة في ٣٠ بيتاً على بحر الرجز، نظمها أحمد بن محمد المحجوبي الولاتي، جمع فيها أصول مذهب مالك رحمه الله بالعدّ لا بالبحث — أي أنه عدّدها دون الكشف عن حقائقها وحدودها. ثم شرحها شرحاً وافياً الفقيه محمد يحيى الولاتي.

الناظم والشارح

البيانالناظمالشارح
الاسمأحمد بن محمد المحجوبيمحمد يحيى بن محمد المختار
النسبةالولاتي (مدينة ولاتة بموريتانيا)الولاتي الداودي الحوضي
الوفاة~١٢٧٥ هـ١٣٣٠ هـ / ١٩١١ م
الوصفالشهير الفقيه النحريرعالم موسوعي: فقيه، أصولي، محدث، نحوي، ناظم
المؤلفاتأنظام متعددة في الفقه والأصولأكثر من ٥٠ مؤلفاً في شتى العلوم

سبب التأليف

طلب عبد الله بن سيدي أحمد من الفقيه الولاتي أن يشرح له منظومة أبيه — الشهير الفقيه النحرير سيدي أحمد بن محمد بن أبي قف — التي جمع فيها: أصول مذهب مالك رحمه الله.

تعريف أصول المذهب

أصول المذهب = مصادر الاستنباط، وطرائق الاستدلال، وقوة الأدلة الفقهية، ومراتبها، وكيفية الترجيح بينها عند تعارضها.

تعريف الفقه

لغة: الفهم. اصطلاحاً: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية».

أصول مذهب مالك الإجمالية: ١٦ أصلاً

اختلف علماء المذهب في تعداد هذه الأصول: الجبيري ذكر ٨، ابن القصار ذكر ٧، ابن العربي ١٠، القاضي عياض ٥، الهسكوري ١٦، القرافي ١٩. والناظم اختار تعداد ١٦ أصلاً يكاد يتفق مع الهسكوري.

جدول الأصول الستة عشر

#الأصلالنوعالمتفق عليه
١نص الكتاب والسنةنقلينعم
٢ظاهر الكتاب والسنةنقلينعم
٣دليل الخطاب (مفهوم المخالفة)نقلينعم
٤تنبيه الخطاب (مفهوم الموافقة)نقلينعم
٥مفهوم الكتاب والسنة (دلالة الاقتضاء)نقلينعم
٦التنبيه (دلالة الإيماء)نقلينعم
٧الإجماعنقلينعم
٨القياسعقلينعم
٩عمل أهل المدينةنقليمالك + الجمهور يخالفون
١٠قول الصحابينقليمالك + خلاف
١١الاستحسانعقليمالك + أبو حنيفة
١٢سد الذرائععقليمالك + أحمد
١٣الاستصحابعقليالأكثر
١٤خبر الواحدنقلينعم
١٥المصلحة المرسلةعقليمالك خصوصاً
١٦مراعاة الخلافعقليمالك — ليس مطلقاً

تصنيف الأصول بحسب الشاطبي

الأدلة النقليةالأدلة العقلية
الكتاب والسنة والإجماع وعمل أهل المدينة وقول الصحابي وشرع من قبلناالقياس والاستدلال والاستحسان والمصالح المرسلة
ميزة مالك: قال أبو زهرة: «وإن نوع الأصول التي يزيد بها المذهب المالكي على غيره، ومسلكه في الأصول التي اتفق فيها مع غيره، يجعلانه أكثر مرونة وأقرب حيوية، وأدنى إلى مصالح الناس».
══ الأصول النقلية: الكتاب والسنة ══

الأصل ١: النص من الكتاب والسنة

النص = «اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره أصلاً».

مثال من الكتاب

﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]

قوله: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ نصّ في أن المتمتع الذي لم يجد هدياً يلزمه صوم مجموع العشرة.

مثال من السنة

قوله ﷺ: «إنَّ اللهَ حرَّمَ عليكم وأدَ البنات»

هذا نصّ صريح في تحريم دفن البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية.

الأصل ٢: الظاهر من الكتاب والسنة

الظاهر = «اللفظ الدال في محل النطق على معنى لكنه يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً».
دلالته على المعنى الراجح تسمى: ظاهراً، ودلالته على المرجوح تسمى: تأويلاً.

مثال من الكتاب

﴿فَأَطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]

ظاهره: إطعام ٦٠ شخصاً مسكيناً. يحتمل: أن المراد المدّ (إطعام مسكين واحد ٦٠ مدّاً). الأول مذهب الجمهور، والثاني مذهب الحنفية.

القاعدة

القاعدة الشرعية: ترجيح الظاهر على التأويل عند جميع العلماء، إلا إذا عضد التأويل دليل آخر من الشريعة.

الأصل ٣: دليل الخطاب (مفهوم المخالفة)

مفهوم المخالفة = إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه.
حجة عند مالك والشافعي، وأنكره أبو حنيفة.

يجري في:

النوعالمثالالمفهوم
الشرط﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾غير أولات الحمل من المطلقات البوائن لا نفقة لهن
الغاية﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾تحلّ إذا نكحت زوجاً غيره وطلّقها
العدد﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾لا يجوز الزيادة أو النقصان
الحصر﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾الوسع فقط هو المكلّف به
الصفة﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾مفهوم الصفة: الزوجة التي لم يدخل بها لا تحرم بنتها
الظرف﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾لا يجوز الحج في غير تلك الأشهر

موانع اعتبار المفهوم (٦ موانع)

  1. خروج القيد مخرج الغالب لا مخرج التقييد
  2. ذكر القيد للامتنان لا للتقييد
  3. خروج القيد مخرج التوكيد
  4. ذكر القيد لبيان الواقع
  5. المبالغة
  6. ذكر القيد لأجل سؤال سائل

الأصل ٤: تنبيه الخطاب (مفهوم الموافقة)

مفهوم الموافقة = «دلالة اللفظ على معنى غير مذكور موافق للمعنى المنطوق به في الحكم — بالمساواة أو الأولوية».
ويُسمى أيضاً: فحوى الخطاب، لحن الخطاب.

مفهوم المساوي

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]

المنطوق: تحريم أكل أموال اليتامى. المفهوم الموافق: تحريم إحراقها أيضاً — بالمساواة، لأن العلة (الإتلاف ظلماً) موجودة بتمامها.

مفهوم الأولى

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]

المنطوق: تحريم التأفيف. المفهوم الموافق بالأولوية: تحريم الضرب أولى من التأفيف — لأن العلة (الإيذاء) أتمّ في الضرب.

الأصل ٥–٦: مفهوم الكتاب ودلالة التنبيه (الإيماء)

دلالة الاقتضاء

هي ما كانت دلالة اللفظ فيه على معنى يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عادةً أو عقلاً أو شرعاً.

مثال عادي: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ — تقديره: فضربه فانفلق.

مثال شرعي: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ — صحتها متوقفة شرعاً على تقدير الطهارة قبلها.

دلالة الإيماء (التنبيه على العلة)

أن يُقرن الوصف بحكم، فلو لم يكن اقتران الوصف بذلك الحكم لبيان كونه علة له — لعابه الفِطَن بمقاصد الكلام.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]

اقتران الأمر بالقطع مع وصف السرقة يدل بالإيماء على أن السرقة هي علة القطع شرعاً.

══ الأصول المتفق عليها ══

الأصل ٧: الإجماع

لغة: العزم. اصطلاحاً: اتفاق العلماء المجتهدين من هذه الأمة بعد وفاة النبي ﷺ — في أي عصر — على حكم شرعي.

أقسامه

القسمالتعريفالحجية
النطقينطق كل مجتهد بالحكمحجة قطعية أو ظنية
السكوتينطق بعضهم وسكت الباقونحجة ظنية

المجمع عليه على ثلاثة أقسام

  1. الضروري: يكفر جاحده بلا خلاف — كتحريم الزنا وإنكار إمامة أبي بكر
  2. المشهور: يكفر جاحده على المشهور — كتحريم ربا الجاهلية
  3. النظري: لا يكفر جاحده اتفاقاً — كاستحقاق بنت الابن السدس مع الحج

شروطه

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]
قوله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»

الأصل ٨: القياس

لغة: التقدير والتسوية. اصطلاحاً: «حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة الحكم عند الحامل».

أركان القياس الأربعة

الركنالتعريفالمثال
الأصل (المقيس عليه)محل الحكم المشبه بهالبُرّ (القمح)
حكم الأصلالحكم الثابت في الأصلتحريم الربا في البُرّ
الفرع (المقيس)محل الحكم المشبهالدخان (التبغ)
العلةالوصف الجامع بين المقيس والمقيس عليهالاقتيات والادخار

أحكام القياس عند مالك

══ الأصول المميزة للمذهب المالكي ══

الأصل ٩: عمل أهل المدينة

عمل أهل المدينة الذي أجمعوا عليه — من أشهر أصول المذهب المالكي وأكثرها تميزاً. المراد بهم: الصحابة والتابعون، بشرط أن يكون مما لا مجال للرأي فيه من الأحكام الشرعية.
قوله ﷺ: «المدينة كالكير تنفي خبثها»

حجة العمل بهذا الأصل

مثال

احتجاج مالك على نفي خيار المجلس في البيع: وجد عمل أهل المدينة على نفيه فقدّمه على الحديث الصحيح «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا».

الأصل ١٠: قول الصحابي

القول المروي عن أصحاب رسول الله ﷺ — حجة شرعية عند مالك رحمه الله — سواء كان الصحابي إماماً أو مفتياً أو حاكماً.

الأصل ١١: الاستحسان

الاستحسان = اتّباع الدليل الراجح على معارضه من الأدلة الشرعية. وقيل: «الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي».

تعريفات أخرى

قال أشهب: «إنّ الاستحسان هو تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة الناس في ذلك».
قال الشاطبي: «الاستحسان في مذهب مالك: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلّي».

أمثلة

عمل به مالك وأبو حنيفة وبعض الحنابلة. وقال الشافعي: «من استحسن فقد شرّع» — أي أنكره.

الأصل ١٢: سدّ الذرائع

الذرائع = الوسائل. سدّ أبواب الوسائل إلى الفساد: متى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى المفسدة — منعنا منه.

أقسام وسائل الفساد

القسمالحكمالمثال
متفق على منعهمحرم إجماعاًحفر الآبار في طرق المسلمين، إلقاء السم في أطعمتهم
متفق على جوازهجائز إجماعاًغرس شجرة العنب مع أنها وسيلة للخمر، والسكنى في الدور مع أنها وسيلة للزنا
مختلف فيهمالك يمنعه خصوصاًبيوع الآجال (وسيلة للربا)، وتوجيه اليمين على المدعى عليه بمجردها

قاعدة موارد الأحكام

الأصل ١٣: الاستصحاب

لغة: الملازمة. اصطلاحاً: «استدامة إثبات ما كان ثابتاً، أو نفي ما كان منفياً».

نوعان

النوعالمعنىالمثال
استصحاب العدم الأصلي (البراءة الأصلية)انتفاء الأحكام الشرعية حتى يدل دليل على ثبوتهاالأصل براءة الذمة من التكليف
استصحاب ما دل الشرع على ثبوتهما ثبت بسببه يبقى حتى يثبت نفيهثبوت الملك بالشراء يُستصحب حتى يثبت زواله

حجة عند الأكثر من العلماء. وخالف أبو حنيفة.

قال ابن القصار: «ليس عن مالك في ذلك نصّ، لكن مذهبه يدلّ عليه».

الأصل ١٤: خبر الواحد

خبر الواحد = الحديث الذي رواه واحد عدل ثقة أو من في حكمه عن رسول الله ﷺ. ومفاده: الظن.

أقسام الخبر

النوعالتعريفالإفادة
المتواترخبر الجمع الذي يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة عن محسوسالعلم الضروري
المستفيضما زادت نقلته على ثلاثةالعلم النظري
الآحاديخبر الواحد العدل ومن في حكمهالظن

انعقد الإجماع على وجوب العمل بخبر الواحد في الشهادة والفتوى وحكم الحاكم والأمور الدنيوية.

الأصل ١٥: المصلحة المرسلة

المصلحة المرسلة = المطلقة من الاعتبار والإلغاء — أي التي لم يرد عن الشارع أمر بجلبها ولا نهي عنها بل سكت عنها. وهي حجة عند مالك خصوصاً.

أقسام المصالح الثلاثة

القسمالمعنىالمثال
المعتبرة شرعاًأمر الشارع بجلبهاحفظ العقل ← تحريم كل مسكر قياساً على الخمر
الملغاة شرعاًنهى الشارع عنهامصلحة ارتداع الملك عن الجماع في رمضان بصوم شهرين — ألغاها الشارع بالتخيير
المرسلةسكت عنها الشارعكتابة الصحابة للمصحف، وحرق عثمان للمصاحف

شروط اعتبارها

  1. أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع فلا تنافي أصلاً من أصوله ولا دليلاً من دلائله
  2. أن تكون فيما شأنه الالتفات إلى المعاني (لا في العبادات)
  3. أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين
  4. أن تتوفر أهلية الاجتهاد للناظر
قال ابن العربي: «أصول الأحكام خمسة: أربعة متفق عليها من الأمة (الكتاب والسنة والإجماع والنظر)، والمصلحة وهو الأصل الخامس الذي انفرد به مالك دونهم».

الأصل ١٦: مراعاة الخلاف

مراعاة الخلاف = «إعمال المجتهد دليل خصمه — أي المجتهد المخالف له — في لازم مدلوله الذي أعمل في عكسه دليلاً آخر».
مالك كان يعمل بها تارة ويعدل عنها تارة أخرى — فليس احتجاجه بها دائماً.

مثال

إعمال مالك دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشغار في لازم مدلوله وهو ثبوت الإرث بين الزوجين المتزوجين بالشغار إذا مات أحدهما — مع أن مذهبه الأصلي هو وجوب فسخ نكاح الشغار.

شروط مراعاة الخلاف

قال المقري: «من أصول المالكية مراعاة الخلاف».
══ القواعد الفقهية الكبرى الخمس ══

القواعد الكبرى الخمس التي ينبني عليها الفقه

ختم الناظم رجزه بست أبيات اشتملت على ذكر القواعد الكبرى الخمس التي تنبني عليها أغلب مسائل الفقه — وفروع الفقه كلها مستخرجة بالنظر إليها.

القاعدة ١: اليقين لا يُرفع بالشك

بل حكم اليقين يُتّبع ويُستصحب ويُلغى الشك.

من فروعها:

  • من شكّ: أصلّى ثلاثاً أم أربعاً؟ بنى على الأقل (٣) لأن الأربع هي المتيقنة الواجبة
  • لزوم البيّنة للمدعي — لأن الأصل براءة ذمة المدعى عليه
الأصل: قوله ﷺ للمصلي الذي يجد الشيء: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»

القاعدة ٢: الضرر يُزال

وجوب إزالة الضرر عمّن نزل به. وتندرج فيها قاعدة: ارتكاب أخف الضررين المتعارضين.

الأصل: قوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»

من فروعها: شرع الزواجر من الحدود، والضمان، وردّ المغصوب، والتطليق بالإضرار.

القاعدة ٣: المشقة تجلب التيسير

دوران التيسير مع المشقة حيثما وقعت — كلما وقعت المشقة حقاً جاء التيسير شرعاً.

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]

من فروعها: الأخذ بالأخف والرخص كجواز القصر والجمع والفطر في السفر.

القاعدة ٤: العادة مُحكَّمة

كل ما تدخل فيه العادة — القولية أو الفعلية — من الأحكام الشرعية فهي عاملة فيه (محكّمة فيه).

العادة القولية: غلبة استعمال اللفظ في معنى غير معناه الأصلي حتى يصير المتبادر.

العادة الفعلية: غلبة معنى على جميع البلاد أو بعضها — كمعرفة أسباب الأحكام.

القاعدة ٥: الأمور بمقاصدها

أشار إليها الناظم ضمنياً في أبياته. وهي من أصول الحديث: «إنما الأعمال بالنيات» — كل عمل منوط بنية فاعله ومقصده.

أسئلة وأجوبة للمراجعة

س١: ما هو كتاب «إيصال السالك»؟ ومن مؤلفه؟ منظومة في ٣٠ بيتاً جمع فيها أحمد بن محمد المحجوبي الولاتي أصول مذهب مالك، ثم شرحها محمد يحيى الولاتي شرحاً وافياً.
س٢: كم عدد أصول مذهب مالك كما عدّدها الناظم؟ ١٦ أصلاً — وهي: نص الكتاب والسنة، ظاهرهما، دليل الخطاب، تنبيه الخطاب، مفهوم الكتاب، التنبيه على العلة، الإجماع، القياس، عمل أهل المدينة، قول الصحابي، الاستحسان، سد الذرائع، الاستصحاب، خبر الواحد، المصلحة المرسلة، مراعاة الخلاف.
س٣: ما الفرق بين النص والظاهر؟ النص: لفظ لا يحتمل غير معناه أصلاً. الظاهر: لفظ يدل على معنى لكنه يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً. والقاعدة: الظاهر مقدّم على التأويل ما لم يعضد التأويل دليل.
س٤: ما مفهوم المخالفة؟ وما أنواعه؟ إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه. أنواعه: مفهوم الشرط، الغاية، العدد، الحصر، الصفة، الظرف. حجة عند مالك والشافعي، أنكره أبو حنيفة.
س٥: ما الفرق بين مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة؟ مفهوم الموافقة: المسكوت عنه موافق للمنطوق في الحكم (بالمساواة أو الأولوية). مفهوم المخالفة: المسكوت عنه مخالف للمنطوق في الحكم.
س٦: ما تعريف الإجماع؟ وما أقسامه؟ اتفاق العلماء المجتهدين بعد وفاة النبي ﷺ على حكم شرعي. أقسامه: نطقي (كل مجتهد نطق بالحكم) وسكوتي (نطق بعضهم وسكت الباقون). النطقي حجة قطعية، والسكوتي حجة ظنية.
س٧: ما تعريف القياس؟ وما أركانه؟ حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة الحكم. أركانه أربعة: الأصل (المقيس عليه)، حكم الأصل، الفرع (المقيس)، العلة (الوصف الجامع).
س٨: ما عمل أهل المدينة؟ ولماذا هو حجة عند مالك؟ هو ما أجمع عليه أهل المدينة من الصحابة والتابعين مما لا مجال للرأي فيه. حجيته: لأنهم أعرف بالوحي لسكناهم بمحله، ولقوله ﷺ: «المدينة كالكير تنفي خبثها». وهو مقدّم عند مالك على خبر الآحاد.
س٩: ما الاستحسان عند المالكية؟ قال الشاطبي: «الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلّي». وقال أشهب: «تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة الناس». عمل به مالك وأبو حنيفة، وأنكره الشافعي.
س١٠: ما سد الذرائع؟ وما أقسامه؟ سدّ أبواب الوسائل إلى الفساد. ثلاثة أقسام: متفق على منعه (كحفر الآبار في الطرق)، متفق على جوازه (كغرس العنب)، مختلف فيه (كبيوع الآجال — مالك يمنعها).
س١١: ما الاستصحاب؟ وما نوعاه؟ استدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً. نوعاه: ١) استصحاب العدم الأصلي (البراءة الأصلية). ٢) استصحاب ما دلّ الشرع على ثبوته بوجود سببه.
س١٢: ما المصلحة المرسلة؟ ولماذا يتميز بها مالك؟ المصلحة المطلقة من الاعتبار والإلغاء — لم يرد نص بجلبها ولا بمنعها. يتميز بها مالك لأنه أكثر الأئمة أخذاً بها. مثالها: كتابة المصحف وجمعه على مصحف واحد.
س١٣: ما مراعاة الخلاف؟ وهل يأخذ بها مالك دائماً؟ إعمال المجتهد دليل خصمه في لازم مدلوله. لا، مالك يعمل بها تارة ويعدل عنها تارة أخرى — بشروط: قوة مأخذ المخالف، وعدم مخالفة الإجماع، وعدم ترك المذهب بالكلية.
س١٤: ما القواعد الفقهية الكبرى الخمس؟ ١) اليقين لا يُرفع بالشك. ٢) الضرر يُزال. ٣) المشقة تجلب التيسير. ٤) العادة محكّمة. ٥) الأمور بمقاصدها.
س١٥: ما ميزة أصول مالك عن غيره من المذاهب؟ التنوع والكثرة. قال أبو زهرة: «نوع الأصول التي يزيد بها المذهب المالكي على غيره، ومسلكه في الأصول التي اتفق فيها مع غيره، يجعلانه أكثر مرونة وأقرب حيوية، وأدنى إلى مصالح الناس». كما قال ابن تيمية: «من تدبّر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصحّ الأصول والقواعد».
س١٦: ما الفرق بين العقيدة وعلم العقيدة فيما يخص أصول الفقه؟ أصول الفقه تتعلق بـالأحكام الشرعية العملية (الفقه)، فخرجت الأحكام الاعتقادية من تعريفه. فالفقه بالمعنى الاصطلاحي يختص بالعمل لا بالاعتقاد.