تعريف بالكتاب
ما هو الكتاب؟
منظومة في ٣٠ بيتاً على بحر الرجز، نظمها أحمد بن محمد المحجوبي الولاتي، جمع فيها أصول مذهب مالك رحمه الله بالعدّ لا بالبحث — أي أنه عدّدها دون الكشف عن حقائقها وحدودها. ثم شرحها شرحاً وافياً الفقيه محمد يحيى الولاتي.
الناظم والشارح
| البيان | الناظم | الشارح |
| الاسم | أحمد بن محمد المحجوبي | محمد يحيى بن محمد المختار |
| النسبة | الولاتي (مدينة ولاتة بموريتانيا) | الولاتي الداودي الحوضي |
| الوفاة | ~١٢٧٥ هـ | ١٣٣٠ هـ / ١٩١١ م |
| الوصف | الشهير الفقيه النحرير | عالم موسوعي: فقيه، أصولي، محدث، نحوي، ناظم |
| المؤلفات | أنظام متعددة في الفقه والأصول | أكثر من ٥٠ مؤلفاً في شتى العلوم |
سبب التأليف
طلب عبد الله بن سيدي أحمد من الفقيه الولاتي أن يشرح له منظومة أبيه — الشهير الفقيه النحرير سيدي أحمد بن محمد بن أبي قف — التي جمع فيها: أصول مذهب مالك رحمه الله.
تعريف أصول المذهب
أصول المذهب = مصادر الاستنباط، وطرائق الاستدلال، وقوة الأدلة الفقهية، ومراتبها، وكيفية الترجيح بينها عند تعارضها.
تعريف الفقه
لغة: الفهم. اصطلاحاً: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية».
- العلم — جنس (مطلق الإدراك)
- بالأحكام — قيد أخرج العلم بالذات والصفات
- الشرعية — أخرج الأحكام العقلية والحسية والعادية
- العملية — أخرج الأحكام الاعتقادية
- المكتسب — أخرج علم الله وعلم الأنبياء
- من الأدلة التفصيلية — أخرج علم المقلدين (النقل والرواية)
أصول مذهب مالك الإجمالية: ١٦ أصلاً
اختلف علماء المذهب في تعداد هذه الأصول: الجبيري ذكر ٨، ابن القصار ذكر ٧، ابن العربي ١٠، القاضي عياض ٥، الهسكوري ١٦، القرافي ١٩. والناظم اختار تعداد ١٦ أصلاً يكاد يتفق مع الهسكوري.
جدول الأصول الستة عشر
| # | الأصل | النوع | المتفق عليه |
| ١ | نص الكتاب والسنة | نقلي | نعم |
| ٢ | ظاهر الكتاب والسنة | نقلي | نعم |
| ٣ | دليل الخطاب (مفهوم المخالفة) | نقلي | نعم |
| ٤ | تنبيه الخطاب (مفهوم الموافقة) | نقلي | نعم |
| ٥ | مفهوم الكتاب والسنة (دلالة الاقتضاء) | نقلي | نعم |
| ٦ | التنبيه (دلالة الإيماء) | نقلي | نعم |
| ٧ | الإجماع | نقلي | نعم |
| ٨ | القياس | عقلي | نعم |
| ٩ | عمل أهل المدينة | نقلي | مالك + الجمهور يخالفون |
| ١٠ | قول الصحابي | نقلي | مالك + خلاف |
| ١١ | الاستحسان | عقلي | مالك + أبو حنيفة |
| ١٢ | سد الذرائع | عقلي | مالك + أحمد |
| ١٣ | الاستصحاب | عقلي | الأكثر |
| ١٤ | خبر الواحد | نقلي | نعم |
| ١٥ | المصلحة المرسلة | عقلي | مالك خصوصاً |
| ١٦ | مراعاة الخلاف | عقلي | مالك — ليس مطلقاً |
تصنيف الأصول بحسب الشاطبي
| الأدلة النقلية | الأدلة العقلية |
| الكتاب والسنة والإجماع وعمل أهل المدينة وقول الصحابي وشرع من قبلنا | القياس والاستدلال والاستحسان والمصالح المرسلة |
ميزة مالك: قال أبو زهرة: «وإن نوع الأصول التي يزيد بها المذهب المالكي على غيره، ومسلكه في الأصول التي اتفق فيها مع غيره، يجعلانه أكثر مرونة وأقرب حيوية، وأدنى إلى مصالح الناس».
══ الأصول النقلية: الكتاب والسنة ══
الأصل ١: النص من الكتاب والسنة
النص = «اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره أصلاً».
مثال من الكتاب
﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]
قوله: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ نصّ في أن المتمتع الذي لم يجد هدياً يلزمه صوم مجموع العشرة.
مثال من السنة
قوله ﷺ: «إنَّ اللهَ حرَّمَ عليكم وأدَ البنات»
هذا نصّ صريح في تحريم دفن البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية.
الأصل ٢: الظاهر من الكتاب والسنة
الظاهر = «اللفظ الدال في محل النطق على معنى لكنه يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً».
دلالته على المعنى الراجح تسمى: ظاهراً، ودلالته على المرجوح تسمى: تأويلاً.
مثال من الكتاب
﴿فَأَطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]
ظاهره: إطعام ٦٠ شخصاً مسكيناً. يحتمل: أن المراد المدّ (إطعام مسكين واحد ٦٠ مدّاً). الأول مذهب الجمهور، والثاني مذهب الحنفية.
القاعدة
القاعدة الشرعية: ترجيح الظاهر على التأويل عند جميع العلماء، إلا إذا عضد التأويل دليل آخر من الشريعة.
الأصل ٣: دليل الخطاب (مفهوم المخالفة)
مفهوم المخالفة = إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه.
حجة عند مالك والشافعي، وأنكره أبو حنيفة.
يجري في:
| النوع | المثال | المفهوم |
| الشرط | ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ | غير أولات الحمل من المطلقات البوائن لا نفقة لهن |
| الغاية | ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ | تحلّ إذا نكحت زوجاً غيره وطلّقها |
| العدد | ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ | لا يجوز الزيادة أو النقصان |
| الحصر | ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ | الوسع فقط هو المكلّف به |
| الصفة | ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ | مفهوم الصفة: الزوجة التي لم يدخل بها لا تحرم بنتها |
| الظرف | ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ | لا يجوز الحج في غير تلك الأشهر |
موانع اعتبار المفهوم (٦ موانع)
- خروج القيد مخرج الغالب لا مخرج التقييد
- ذكر القيد للامتنان لا للتقييد
- خروج القيد مخرج التوكيد
- ذكر القيد لبيان الواقع
- المبالغة
- ذكر القيد لأجل سؤال سائل
الأصل ٤: تنبيه الخطاب (مفهوم الموافقة)
مفهوم الموافقة = «دلالة اللفظ على معنى غير مذكور موافق للمعنى المنطوق به في الحكم — بالمساواة أو الأولوية».
ويُسمى أيضاً: فحوى الخطاب، لحن الخطاب.
مفهوم المساوي
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]
المنطوق: تحريم أكل أموال اليتامى. المفهوم الموافق: تحريم إحراقها أيضاً — بالمساواة، لأن العلة (الإتلاف ظلماً) موجودة بتمامها.
مفهوم الأولى
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]
المنطوق: تحريم التأفيف. المفهوم الموافق بالأولوية: تحريم الضرب أولى من التأفيف — لأن العلة (الإيذاء) أتمّ في الضرب.
الأصل ٥–٦: مفهوم الكتاب ودلالة التنبيه (الإيماء)
دلالة الاقتضاء
هي ما كانت دلالة اللفظ فيه على معنى يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عادةً أو عقلاً أو شرعاً.
مثال عادي: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ — تقديره: فضربه فانفلق.
مثال شرعي: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ — صحتها متوقفة شرعاً على تقدير الطهارة قبلها.
دلالة الإيماء (التنبيه على العلة)
أن يُقرن الوصف بحكم، فلو لم يكن اقتران الوصف بذلك الحكم لبيان كونه علة له — لعابه الفِطَن بمقاصد الكلام.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]
اقتران الأمر بالقطع مع وصف السرقة يدل بالإيماء على أن السرقة هي علة القطع شرعاً.
══ الأصول المتفق عليها ══
الأصل ٧: الإجماع
لغة: العزم. اصطلاحاً: اتفاق العلماء المجتهدين من هذه الأمة بعد وفاة النبي ﷺ — في أي عصر — على حكم شرعي.
أقسامه
| القسم | التعريف | الحجية |
| النطقي | نطق كل مجتهد بالحكم | حجة قطعية أو ظنية |
| السكوتي | نطق بعضهم وسكت الباقون | حجة ظنية |
المجمع عليه على ثلاثة أقسام
- الضروري: يكفر جاحده بلا خلاف — كتحريم الزنا وإنكار إمامة أبي بكر
- المشهور: يكفر جاحده على المشهور — كتحريم ربا الجاهلية
- النظري: لا يكفر جاحده اتفاقاً — كاستحقاق بنت الابن السدس مع الحج
شروطه
- لا ينعقد مع مخالفة إمام معتبر
- لا يُشترط انقراض عصر المجمعين (الجمهور)
- لا يُشترط بلوغ عدد التواتر
- لا بد له من مستند من كتاب أو سنة أو قياس
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]
قوله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»
الأصل ٨: القياس
لغة: التقدير والتسوية. اصطلاحاً: «حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة الحكم عند الحامل».
أركان القياس الأربعة
| الركن | التعريف | المثال |
| الأصل (المقيس عليه) | محل الحكم المشبه به | البُرّ (القمح) |
| حكم الأصل | الحكم الثابت في الأصل | تحريم الربا في البُرّ |
| الفرع (المقيس) | محل الحكم المشبه | الدخان (التبغ) |
| العلة | الوصف الجامع بين المقيس والمقيس عليه | الاقتيات والادخار |
أحكام القياس عند مالك
- القياس مقدم على خبر الواحد عند مالك إذا تعارضا — لأن الخبر متضمن للحكم فقط، والقياس متضمن للحكم والحكمة (العلة)
- يجري في الكفارة والتقدير والحدود على المشهور
- لا يجري في الرخص ولا الأسباب ولا الشروط ولا الموانع
══ الأصول المميزة للمذهب المالكي ══
الأصل ٩: عمل أهل المدينة
عمل أهل المدينة الذي أجمعوا عليه — من أشهر أصول المذهب المالكي وأكثرها تميزاً. المراد بهم: الصحابة والتابعون، بشرط أن يكون مما لا مجال للرأي فيه من الأحكام الشرعية.
قوله ﷺ: «المدينة كالكير تنفي خبثها»
حجة العمل بهذا الأصل
- أهل المدينة أعرف بالوحي لسكناهم بمحله
- مقدم عند مالك على خبر الآحاد
- مذهب الجمهور أنه لا يُقدّم عليه ولا يكون حجة مستقلة — بل إذا وافق دليلاً آخر
مثال
احتجاج مالك على نفي خيار المجلس في البيع: وجد عمل أهل المدينة على نفيه فقدّمه على الحديث الصحيح «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا».
الأصل ١٠: قول الصحابي
القول المروي عن أصحاب رسول الله ﷺ — حجة شرعية عند مالك رحمه الله — سواء كان الصحابي إماماً أو مفتياً أو حاكماً.
- المراد: رأيه الصادر عن اجتهاد
- يُشترط أن يكون منتشراً ولم يظهر له مخالف
- المجتهد التابعي وغيره يجب عليه اتباعه ولا يجوز له مخالفته
- مذهب الصحابي لا يكون حجة على غيره من الصحابة
الأصل ١١: الاستحسان
الاستحسان = اتّباع الدليل الراجح على معارضه من الأدلة الشرعية. وقيل: «الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي».
تعريفات أخرى
قال أشهب: «إنّ الاستحسان هو تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة الناس في ذلك».
قال الشاطبي: «الاستحسان في مذهب مالك: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلّي».
أمثلة
- جواز دخول الحمّام من غير تعيين زمن المكث وقدر الماء — مع أن القياس يمنعه لأنه من الغرر
- جواز شراء الشرب من القربة من غير تعيين قدره
عمل به مالك وأبو حنيفة وبعض الحنابلة. وقال الشافعي: «من استحسن فقد شرّع» — أي أنكره.
الأصل ١٢: سدّ الذرائع
الذرائع = الوسائل. سدّ أبواب الوسائل إلى الفساد: متى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى المفسدة — منعنا منه.
أقسام وسائل الفساد
| القسم | الحكم | المثال |
| متفق على منعه | محرم إجماعاً | حفر الآبار في طرق المسلمين، إلقاء السم في أطعمتهم |
| متفق على جوازه | جائز إجماعاً | غرس شجرة العنب مع أنها وسيلة للخمر، والسكنى في الدور مع أنها وسيلة للزنا |
| مختلف فيه | مالك يمنعه خصوصاً | بيوع الآجال (وسيلة للربا)، وتوجيه اليمين على المدعى عليه بمجردها |
قاعدة موارد الأحكام
- مقاصد: المتضمنة للمصالح والمفاسد في نفسها
- وسائل: الطرق المفضية إليها — وحكمها حكم ما أفضت إليه (من تحريم أو تحليل) لكنها أخفض رتبة
الأصل ١٣: الاستصحاب
لغة: الملازمة. اصطلاحاً: «استدامة إثبات ما كان ثابتاً، أو نفي ما كان منفياً».
نوعان
| النوع | المعنى | المثال |
| استصحاب العدم الأصلي (البراءة الأصلية) | انتفاء الأحكام الشرعية حتى يدل دليل على ثبوتها | الأصل براءة الذمة من التكليف |
| استصحاب ما دل الشرع على ثبوته | ما ثبت بسببه يبقى حتى يثبت نفيه | ثبوت الملك بالشراء يُستصحب حتى يثبت زواله |
حجة عند الأكثر من العلماء. وخالف أبو حنيفة.
قال ابن القصار: «ليس عن مالك في ذلك نصّ، لكن مذهبه يدلّ عليه».
الأصل ١٤: خبر الواحد
خبر الواحد = الحديث الذي رواه واحد عدل ثقة أو من في حكمه عن رسول الله ﷺ. ومفاده: الظن.
أقسام الخبر
| النوع | التعريف | الإفادة |
| المتواتر | خبر الجمع الذي يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة عن محسوس | العلم الضروري |
| المستفيض | ما زادت نقلته على ثلاثة | العلم النظري |
| الآحادي | خبر الواحد العدل ومن في حكمه | الظن |
انعقد الإجماع على وجوب العمل بخبر الواحد في الشهادة والفتوى وحكم الحاكم والأمور الدنيوية.
الأصل ١٥: المصلحة المرسلة
المصلحة المرسلة = المطلقة من الاعتبار والإلغاء — أي التي لم يرد عن الشارع أمر بجلبها ولا نهي عنها بل سكت عنها. وهي حجة عند مالك خصوصاً.
أقسام المصالح الثلاثة
| القسم | المعنى | المثال |
| المعتبرة شرعاً | أمر الشارع بجلبها | حفظ العقل ← تحريم كل مسكر قياساً على الخمر |
| الملغاة شرعاً | نهى الشارع عنها | مصلحة ارتداع الملك عن الجماع في رمضان بصوم شهرين — ألغاها الشارع بالتخيير |
| المرسلة | سكت عنها الشارع | كتابة الصحابة للمصحف، وحرق عثمان للمصاحف |
شروط اعتبارها
- أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع فلا تنافي أصلاً من أصوله ولا دليلاً من دلائله
- أن تكون فيما شأنه الالتفات إلى المعاني (لا في العبادات)
- أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين
- أن تتوفر أهلية الاجتهاد للناظر
قال ابن العربي: «أصول الأحكام خمسة: أربعة متفق عليها من الأمة (الكتاب والسنة والإجماع والنظر)، والمصلحة وهو الأصل الخامس الذي انفرد به مالك دونهم».
الأصل ١٦: مراعاة الخلاف
مراعاة الخلاف = «إعمال المجتهد دليل خصمه — أي المجتهد المخالف له — في لازم مدلوله الذي أعمل في عكسه دليلاً آخر».
مالك كان يعمل بها تارة ويعدل عنها تارة أخرى — فليس احتجاجه بها دائماً.
مثال
إعمال مالك دليل خصمه القائل بعدم فسخ نكاح الشغار في لازم مدلوله وهو ثبوت الإرث بين الزوجين المتزوجين بالشغار إذا مات أحدهما — مع أن مذهبه الأصلي هو وجوب فسخ نكاح الشغار.
شروط مراعاة الخلاف
- أن يكون مأخذ المخالف قوياً
- أن لا يؤدي إلى صورة تخالف الإجماع
- أن لا يترك المراعي مذهبه بالكلية
قال المقري: «من أصول المالكية مراعاة الخلاف».
══ القواعد الفقهية الكبرى الخمس ══
القواعد الكبرى الخمس التي ينبني عليها الفقه
ختم الناظم رجزه بست أبيات اشتملت على ذكر القواعد الكبرى الخمس التي تنبني عليها أغلب مسائل الفقه — وفروع الفقه كلها مستخرجة بالنظر إليها.
القاعدة ١: اليقين لا يُرفع بالشك
بل حكم اليقين يُتّبع ويُستصحب ويُلغى الشك.
من فروعها:
- من شكّ: أصلّى ثلاثاً أم أربعاً؟ بنى على الأقل (٣) لأن الأربع هي المتيقنة الواجبة
- لزوم البيّنة للمدعي — لأن الأصل براءة ذمة المدعى عليه
الأصل: قوله ﷺ للمصلي الذي يجد الشيء: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً»
القاعدة ٢: الضرر يُزال
وجوب إزالة الضرر عمّن نزل به. وتندرج فيها قاعدة: ارتكاب أخف الضررين المتعارضين.
الأصل: قوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»
من فروعها: شرع الزواجر من الحدود، والضمان، وردّ المغصوب، والتطليق بالإضرار.
القاعدة ٣: المشقة تجلب التيسير
دوران التيسير مع المشقة حيثما وقعت — كلما وقعت المشقة حقاً جاء التيسير شرعاً.
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]
من فروعها: الأخذ بالأخف والرخص كجواز القصر والجمع والفطر في السفر.
القاعدة ٤: العادة مُحكَّمة
كل ما تدخل فيه العادة — القولية أو الفعلية — من الأحكام الشرعية فهي عاملة فيه (محكّمة فيه).
العادة القولية: غلبة استعمال اللفظ في معنى غير معناه الأصلي حتى يصير المتبادر.
العادة الفعلية: غلبة معنى على جميع البلاد أو بعضها — كمعرفة أسباب الأحكام.
القاعدة ٥: الأمور بمقاصدها
أشار إليها الناظم ضمنياً في أبياته. وهي من أصول الحديث: «إنما الأعمال بالنيات» — كل عمل منوط بنية فاعله ومقصده.
أسئلة وأجوبة للمراجعة
س١: ما هو كتاب «إيصال السالك»؟ ومن مؤلفه؟
منظومة في ٣٠ بيتاً جمع فيها أحمد بن محمد المحجوبي الولاتي أصول مذهب مالك، ثم شرحها محمد يحيى الولاتي شرحاً وافياً.
س٢: كم عدد أصول مذهب مالك كما عدّدها الناظم؟
١٦ أصلاً — وهي: نص الكتاب والسنة، ظاهرهما، دليل الخطاب، تنبيه الخطاب، مفهوم الكتاب، التنبيه على العلة، الإجماع، القياس، عمل أهل المدينة، قول الصحابي، الاستحسان، سد الذرائع، الاستصحاب، خبر الواحد، المصلحة المرسلة، مراعاة الخلاف.
س٣: ما الفرق بين النص والظاهر؟
النص: لفظ لا يحتمل غير معناه أصلاً. الظاهر: لفظ يدل على معنى لكنه يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً. والقاعدة: الظاهر مقدّم على التأويل ما لم يعضد التأويل دليل.
س٤: ما مفهوم المخالفة؟ وما أنواعه؟
إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه. أنواعه: مفهوم الشرط، الغاية، العدد، الحصر، الصفة، الظرف. حجة عند مالك والشافعي، أنكره أبو حنيفة.
س٥: ما الفرق بين مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة؟
مفهوم الموافقة: المسكوت عنه موافق للمنطوق في الحكم (بالمساواة أو الأولوية). مفهوم المخالفة: المسكوت عنه مخالف للمنطوق في الحكم.
س٦: ما تعريف الإجماع؟ وما أقسامه؟
اتفاق العلماء المجتهدين بعد وفاة النبي ﷺ على حكم شرعي. أقسامه: نطقي (كل مجتهد نطق بالحكم) وسكوتي (نطق بعضهم وسكت الباقون). النطقي حجة قطعية، والسكوتي حجة ظنية.
س٧: ما تعريف القياس؟ وما أركانه؟
حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة الحكم. أركانه أربعة: الأصل (المقيس عليه)، حكم الأصل، الفرع (المقيس)، العلة (الوصف الجامع).
س٨: ما عمل أهل المدينة؟ ولماذا هو حجة عند مالك؟
هو ما أجمع عليه أهل المدينة من الصحابة والتابعين مما لا مجال للرأي فيه. حجيته: لأنهم أعرف بالوحي لسكناهم بمحله، ولقوله ﷺ: «المدينة كالكير تنفي خبثها». وهو مقدّم عند مالك على خبر الآحاد.
س٩: ما الاستحسان عند المالكية؟
قال الشاطبي: «الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلّي». وقال أشهب: «تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة الناس». عمل به مالك وأبو حنيفة، وأنكره الشافعي.
س١٠: ما سد الذرائع؟ وما أقسامه؟
سدّ أبواب الوسائل إلى الفساد. ثلاثة أقسام: متفق على منعه (كحفر الآبار في الطرق)، متفق على جوازه (كغرس العنب)، مختلف فيه (كبيوع الآجال — مالك يمنعها).
س١١: ما الاستصحاب؟ وما نوعاه؟
استدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً. نوعاه: ١) استصحاب العدم الأصلي (البراءة الأصلية). ٢) استصحاب ما دلّ الشرع على ثبوته بوجود سببه.
س١٢: ما المصلحة المرسلة؟ ولماذا يتميز بها مالك؟
المصلحة المطلقة من الاعتبار والإلغاء — لم يرد نص بجلبها ولا بمنعها. يتميز بها مالك لأنه أكثر الأئمة أخذاً بها. مثالها: كتابة المصحف وجمعه على مصحف واحد.
س١٣: ما مراعاة الخلاف؟ وهل يأخذ بها مالك دائماً؟
إعمال المجتهد دليل خصمه في لازم مدلوله. لا، مالك يعمل بها تارة ويعدل عنها تارة أخرى — بشروط: قوة مأخذ المخالف، وعدم مخالفة الإجماع، وعدم ترك المذهب بالكلية.
س١٤: ما القواعد الفقهية الكبرى الخمس؟
١) اليقين لا يُرفع بالشك. ٢) الضرر يُزال. ٣) المشقة تجلب التيسير. ٤) العادة محكّمة. ٥) الأمور بمقاصدها.
س١٥: ما ميزة أصول مالك عن غيره من المذاهب؟
التنوع والكثرة. قال أبو زهرة: «نوع الأصول التي يزيد بها المذهب المالكي على غيره، ومسلكه في الأصول التي اتفق فيها مع غيره، يجعلانه أكثر مرونة وأقرب حيوية، وأدنى إلى مصالح الناس». كما قال ابن تيمية: «من تدبّر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصحّ الأصول والقواعد».
س١٦: ما الفرق بين العقيدة وعلم العقيدة فيما يخص أصول الفقه؟
أصول الفقه تتعلق بـالأحكام الشرعية العملية (الفقه)، فخرجت الأحكام الاعتقادية من تعريفه. فالفقه بالمعنى الاصطلاحي يختص بالعمل لا بالاعتقاد.