الدرس ٣ - أقسام الحكم العقلي وحدودها

الوجوب والاستحالة والجواز، تقسيمها إلى ضروري ونظري، والفرق بين الحكم العقلي والعادي والشرعي

السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى على العقيدة الصغرى

تعريف الحكم مطلقًا وأنواعه

اعلم أيها الناظرُ في هذه العقيدة أنّ الحُكمَ مطلقًا هو إثباتُ أمرٍ لأمرٍ أو نفيُ أمرٍ عن أمرٍ. فالإثباتُ كما في قولك: زيدٌ قائمٌ، والقدرةُ واجبةٌ لله. والنفيُ كما في قولك: زيدٌ ليس بقائمٍ، وشريكُ الله تعالى ليس بموجودٍ. وينقسم إلى عقليٍّ وشرعيٍّ وعاديٍّ.

الحكم لغةً واصطلاحًا

أمثلة الإثبات والنفي

النوعالمثالالتوضيح
إثباتزيدٌ قائمأثبتنا القيام لزيد
إثباتالقدرة واجبة للهأثبتنا وجوب القدرة لله تعالى
نفيزيدٌ ليس بقائمنفينا القيام عن زيد
نفيشريك الله ليس بموجودنفينا الوجود عن شريك الله تعالى

أقسام الحكم الثلاثة

القسممجالهكيف يُعرف
الحكم العقلي علم العقيدة والمنطق والفلسفة من غير توقف على تكرّر ولا وضع واضع
الحكم الشرعي الفقه والأحكام العملية بواسطة وضع الشارع (الكتاب والسنة)
الحكم العادي العلوم التجريبية والحياة اليومية بواسطة التكرّر والتجربة (الاستقراء)

تعريف الحكم العقلي

الحكم العقلي: إثباتُ أمرٍ لأمرٍ أو نفيُ أمرٍ عن أمرٍ، من غير توقفٍ على تكرّرٍ ولا وضعِ واضعٍ.

أمثلة مقارنة

الحكمالمثالكيف تُوصِّل إليه
عقلي (إثبات)كل موجود إما قديم وإما حادثالعقل يدركه بلا تكرّر ولا وضع شرعي
عقلي (نفي)كل موجود لا يخلو عن القِدَم والحدوثحصر عقلي: لا يوجد احتمال ثالث
عاديالحديد يتمدد بالحرارةبتكرار التجربة على قطع متعددة من الحديد
عاديأكل هذا الطعام يُسخّن البدنبتكرار الأكل والملاحظة
شرعيالصلوات الخمس واجبةبوضع الشارع: الله أرسل رسولًا أمرنا بخمس صلوات
شرعيصوم عاشوراء ليس بواجبفي الشرع ليس بواجب
تنبيه مهم: لا يصح الاستدلال على وجود الله بآية قرآنية مباشرة، لأن هذا يُسمّى عند المناطقة "المصادرة على المطلوب": أي أنك افترضت المطلوب (وجود الله) في المقدمة (قال الله) قبل إثباته. الأدلة الأولية والأساسية على صفات الله (الوجود، القِدَم، القدرة، الإرادة...) هي أدلة عقلية يشترك فيها جميع البشر.

أقسام الحكم العقلي الثلاثة: الوجوب والاستحالة والجواز

اعلم أنّ الحكمَ العقليَّ ينحصرُ في ثلاثة أقسام: الوجوبُ والاستحالةُ والجوازُ.
القسمالتعريف (المصدر)التعريف (المشتق)الضابط
الوجوب ألّا يتصور في العقل عدمُ الشيء الواجب العقلي: ما لا يتصور في العقل عدمه أي انتفاؤه عدم قبول الانتفاء
الاستحالة ألّا يتصور في العقل وجودُ الشيء المستحيل العقلي: ما لا يتصور في العقل وجوده أي ثبوته عدم قبول الثبوت
الجواز (الإمكان) أن يصحّ في العقل وجود الشيء وعدمه الجائز العقلي (الممكن): ما يصحّ في العقل وجوده تارة وعدمه تارة أخرى قبولهما على سبيل التناوب لا الاجتماع
وجه الحصر في الثلاثة: كل ما يحكم به العقل إما أن يقبل الثبوت دون الانتفاء (= الوجوب)، أو يقبل الانتفاء دون الثبوت (= الاستحالة)، أو يقبلهما معًا (= الجواز). ولا يوجد احتمال رابع.
تنبيه نحوي: "لا يتصوَّر" بفتح الياء (مبني للمعلوم/الفاعل) من فعل "تصوَّر" اللازم بمعنى "أمكن". وقيل بضم الياء (مبني للمجهول) بمعنى "لا يُتعقَّل". والأول أولى عند الإمام المارغني لأنه فعل لازم لا يحتاج إلى مفعول به.

الوجوب العقلي: ما لا يتصور في العقل عدمه

فالواجبُ العقلي: ما لا يتصوَّر في العقل عدمُه أي انتفاؤُه، كذات الله تعالى.
خصائص القواعد العقلية: لا تتغير ولا تتبدل. واحد زائد واحد يساوي اثنين في كل مكان وزمان. والأنبياء يأتون بخوارق العادات لا بخوارق العقول. فالمعجزة تخرق القانون العادي (كإحياء الموتى) لكنها لا تخرق القانون العقلي (كجعل واحد زائد واحد يساوي ثلاثة).

الاستحالة العقلية: ما لا يتصور في العقل وجوده

والمستحيلُ العقلي: ما لا يتصوَّر في العقل وجودُه أي ثبوتُه، كشريكِ الله تعالى.

أمثلة المستحيل العقلي

فائدة حول صفة الوحدانية: سيأتي في مبحث صفة الوحدانية إثبات استحالة وجود شريك لله تعالى بدليلي التوارد والتمانع. الفكرة: نفترض وجود إلهين ثم ننظر: هل يتفقان أو يختلفان؟ في كلتا الحالتين نصل إلى نتائج مستحيلة عقلًا. وإذا نفينا الثاني انتفى الثالث والرابع وما بعده.

الجواز العقلي (الإمكان): ما يصح في العقل وجوده وعدمه

والجائزُ العقلي ويُوصف بالإمكان: ما يصحُّ في العقل وجودُه تارةً وعدمُه تارةً أخرى.

الدليل على جواز وجود المخلوقات

كل شخص منا لم يكن موجودًا قبل ولادته، ثم وُجد، ثم سيموت فلا يعود موجودًا في هذه الحياة. فدلّ ذلك على أن وجوده جائز لا واجب.

التقسيم الجديد: الضروري والنظري

وينقسم كلٌّ من الواجب والمستحيل والجائز إلى ضروريٍّ ونظريٍّ.
القسمالضروري (يُدرك بلا تأمل)النظري (لا يُدرك إلا بعد التأمل)
الواجب كون الواحد نصف الاثنين
(يدركه كل أحد مباشرة)
كون الواحد نصف سُدُس الاثني عشر
(يحتاج عملية حسابية: ١٢ ÷ ٦ = ٢، ٢ ÷ ٢ = ١)
المستحيل كون الواحد نصف الأربعة
(يدرك كل أحد استحالته فورًا)
كون الواحد سُدُس الاثني عشر
(يحتاج إلى تأمّل للتحقق من استحالته)
الجائز اتصاف الجِرم (الجسم) بالحركة أو السكون
(السيارة: يجوز أن تكون متحركة أو ساكنة)
تعذيب الله للمطيع وإثابته للعاصي
(يحتاج إلى نظر في دليل الوحدانية والقدرة المطلقة)
الفرق: الحكم العقلي الضروري لا يحتاج إلى نظر وتأمل، بل العقل يدركه مباشرة. أما الحكم العقلي النظري فيحتاج إلى إعمال الفكر والنظر والاستدلال للوصول إلى النتيجة.
الجِرم: هو الجسم، وهو ما يشغل قدر ذاته من الفراغ (أي له حجم وأبعاد ومساحة ومحيط). مثل الكأس والكتاب والهاتف.

مسألة تطبيقية: تعذيب الله للمطيع وإثابته للعاصي

هذه المسألة من أهم مسائل الجائز العقلي النظري:

الحكم العقلي

تعذيب الله للمطيع وإثابته للعاصي: جائز عقلًا.

لأن الله هو الواحد الأحد، ذو القدرة المطلقة، يفعل ما يشاء ويخلق ما يشاء ويختار. فلو شاء أن يجعل المعصية علامة على دخول الجنة والطاعة علامة على دخول النار ما كان لأحد طريق للاعتراض عليه. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.

ليس في ذلك ظلم، لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير بدون إذنه. والله جلّ وعلا هو المالك المطلق، وكل ما سواه ملك له يتصرف فيه كيف يشاء.

لماذا هو نظري وليس ضروريًا؟

لأن العقل في البداية لا يدرك جوازه مباشرة، بل يحتاج إلى نظر في:

  1. دليل الوحدانية لله تعالى
  2. أن الأفعال كلها مخلوقة لله ولا تأثير لغيره فيها
  3. القدرة المطلقة والإرادة الشاملة

فبعد النظر في هذه الأدلة يتبيّن أن الطاعة والمعصية مستويتان عقلًا، وأن كلًّا منهما يصلح أن يجعله الله علامة على ما جعل الآخر علامة عليه.

الحكم الشرعي

المسألةالحكم العقليالحكم الشرعي
تعذيب الله للمطيعجائز عقلًامستحيل شرعًا (الله وعد المطيعين بالثواب ولا يُخلف الميعاد)
إثابة الله للعاصي بالكفرجائز عقلًامستحيل شرعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾
إثابة الله للعاصي بغير الكفرجائز عقلًاجائز شرعًا أيضًا ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾
تنبيه: قال إمام الحرمين الجويني إن معرفة الأقسام الثلاثة (الواجب والجائز والمستحيل العقلي) شرط في صحة التكليف. فمن لم يعرفها لم يكن مكلفًا تكليفًا كاملًا، لأنها تمكّن الإنسان من التفريق بين الحكم العادي والشرعي والعقلي.

لماذا اقتصر المصنف على الحكم العقلي؟

ولم يذكر المصنفُ الحكمَ الشرعيَّ ولا الحكمَ العاديَّ بل اقتصرَ على الحكم العقلي، لأنّ الأدلة التي سيذكرها للصفات غالبُها عقلي.

علم العقيدة من العلوم العقلية، والصفات الإلهية التي سندرسها (الوجود، القِدَم، البقاء، القدرة، الإرادة، العلم، الحياة...) استدلالاتها الأولية والأساسية عقلية.

المشترك بين جميع البشر هو العقل. فعند محاورة شخص من دين آخر أو لا دين له، ننطلق من المشترك وهو التفكير السليم وطرق البرهنة والاستدلال الصحيحة، لا من المختلَف فيه.

أسئلة وأجوبة

١. ما هو تعريف الحكم العقلي؟

هو إثبات أمرٍ لأمرٍ أو نفي أمرٍ عن أمرٍ، من غير توقف على تكرّر (لإخراج الحكم العادي) ولا وضع واضع (لإخراج الحكم الشرعي).

٢. ما الفرق بين الحكم العقلي والحكم العادي والحكم الشرعي؟

الحكم العقلي يُدرك بالعقل دون تكرّر ولا وضع شرعي. الحكم العادي يُعرف بالتكرّر والتجربة (كتمدد الحديد بالحرارة). الحكم الشرعي يُعرف بوضع الشارع (كوجوب الصلوات الخمس).

٣. ما معنى الوجوب العقلي وما مثاله؟

هو ألّا يتصور في العقل عدم الشيء، أي عدم قبول الانتفاء. مثاله: وجود الله تعالى واجب عقلي لا يقبل الانتفاء أبدًا، بخلاف وجود المخلوقات الذي هو جائز.

٤. ما معنى الاستحالة العقلية وما مثالها؟

هي ألّا يتصور في العقل وجود الشيء، أي عدم قبول الثبوت. مثالها: وجود شريك لله تعالى مستحيل عقلًا، وكذلك احتواء الجسم الصغير للجسم الكبير، ووجود مربع بثلاثة أضلاع.

٥. ما معنى الجواز العقلي (الإمكان)؟

هو أن يصحّ في العقل وجود الشيء وعدمه، أي قبولهما على سبيل التناوب (مرة هذا ومرة ذاك) لا على سبيل الاجتماع (كلاهما معًا). مثاله: وجود كل مخلوق جائز عقلًا.

٦. ما الفرق بين الحكم العقلي الضروري والنظري؟

الضروري: يُدرك بلا تأمل ولا نظر (كون الواحد نصف الاثنين). النظري: يحتاج إلى نظر وتأمل واستدلال (كون الواحد نصف سدس الاثني عشر). وهذا التقسيم ينطبق على الواجب والمستحيل والجائز.

٧. هل خوارق الأنبياء تنقض القواعد العقلية؟

لا. الأنبياء يأتون بخوارق العادات لا بخوارق العقول. فالمعجزة تخرق القانون العادي (كإحياء الموتى) لكنها لا تخرق القانون العقلي (لا يأتي نبي يقول واحد زائد واحد يساوي ثلاثة).

٨. لماذا لا يصح الاستدلال على وجود الله بآية قرآنية مباشرة؟

لأن ذلك يُسمّى "المصادرة على المطلوب": أنت تريد إثبات وجود الله، فإذا قلت "قال الله" فقد افترضت وجوده في المقدمة قبل إثباته. الأدلة الأولية على وجود الله وصفاته هي أدلة عقلية يشترك فيها جميع البشر.

٩. ما حكم تعذيب الله للمطيع عقلًا وشرعًا؟

عقلًا: جائز، لأن الله ذو القدرة المطلقة يفعل ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل. شرعًا: مستحيل، لأن الله وعد المطيعين بالثواب ولا يُخلف الميعاد، والأدلة الشرعية تدل على ذلك.

١٠. لماذا يُعدّ تعذيب المطيع ليس ظلمًا في العقل؟

لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير بدون إذنه. والله جلّ وعلا هو المالك المطلق لكل شيء، فتصرفه في ملكه ليس ظلمًا بل هو مقتضى ملكه المطلق وقدرته الشاملة.

١١. ما الفرق بين استحالة وجود شريك لله واستحالة كون الواحد نصف الأربعة؟

كلاهما مستحيل عقلًا، لكن الأول مستحيل نظري (يحتاج إلى نظر واستدلال بدليلي التوارد والتمانع)، والثاني مستحيل ضروري (يدركه كل أحد فورًا بلا تأمل).

١٢. لماذا اقتصر الإمام السنوسي على الحكم العقلي دون الشرعي والعادي؟

لأن علم العقيدة من العلوم العقلية، وأدلة الصفات الإلهية التي سيذكرها في المتن غالبها أدلة عقلية. فالحكم الشرعي مجاله الفقه، والحكم العادي مجاله العلوم التجريبية.

١٣. ما وجه الحصر في الأقسام الثلاثة (الوجوب والاستحالة والجواز)؟

كل ما يحكم به العقل لا يخرج عن ثلاث حالات: إما يقبل الثبوت دون الانتفاء (الوجوب)، أو يقبل الانتفاء دون الثبوت (الاستحالة)، أو يقبلهما معًا على التناوب (الجواز). ولا يُتصوَّر احتمال رابع.