١. مراجعة: الحكم العقلي وأقسامه
الحكمُ العقليُّ هو إثباتُ أمرٍ لأمرٍ أو نفيُ أمرٍ عن أمرٍ من غيرِ توقُّفٍ على تكرُّرٍ ولا وَضْع
الحكم مطلقا ينقسم إلى شقين: الإثبات والنفي. وهو على ثلاثة أقسام:
| القسم | التعريف | القيد المُخرِج |
| الحكم العقلي | إثبات أو نفي من غير توقف على تكرر ولا وضع | هو المقصود في علم العقيدة |
| الحكم العادي | يتوقف على التكرر للوصول إلى النتيجة | أُخرج بقيد «من غير توقف على تكرر» |
| الحكم الشرعي | يتوقف على الوضع (وضع الشارع) | أُخرج بقيد «ولا وضع» |
الحكم العقلي الضروري والنظري
| النوع | التعريف | المثال |
| ضروري | لا يحتاج إلى تأمل وتفكير، يدركه العقل بأدنى التفات | الواحد نصف الاثنين، ١ + ١ = ٢ |
| نظري | يحتاج إلى تأمل وتفكير وترتيب مقدمات | عمليات حسابية طويلة ذات مراحل |
وكل قسم من أقسام الحكم العقلي الثلاثة (الواجب، المستحيل، الجائز) ينقسم إلى ضروري ونظري.
٢. أسماء علم العقيدة
لهذا العلم عدة تسميات، لكل منها وجه:
| الاسم | وجه التسمية |
| علم العقائد / العقيدة | لأن موضوعه العقائد التي يجب على المكلف اعتقادها |
| علم أصول الدين | لأنه أصل يُبنى عليه غيره، كما أن أصول الفقه تُبنى عليها الفروع |
| علم التوحيد | لأن التوحيد أشرف مباحثه، وكل الأنبياء دعوا أقوامهم إلى «لا إله إلا الله» |
| علم الكلام | أسباب عدة: (١) صفة الكلام من أكثر ما اختلفت فيه الفرق. (٢) الكتب القديمة كانت تُبوِّب بـ«الكلام في كذا». (٣) المناظرات بين الفرق: إذا أفحم أحدهم الآخر يقولون «هذا هو الكلام» |
مستويات هذا العلم
| المستوى | المحتوى | أمثلة الكتب |
| كتب العقيدة / الاعتقاد | ما يجب اعتقاده مع أدلة مناسبة مبسطة للمبتدئين | شذرات الذهبية، طالع البشرى |
| كتب أصول الدين | العقائد مع أدلة وبراهين مفصلة | الأربعون في أصول الدين للرازي، كتب الغزالي والآمدي |
| كتب علم الكلام | العقائد + الأدلة + الرد على المخالف + مقدمات فلسفية (الماهية، الوجود، الجوهر، العرض) | المواقف للإيجي، المقاصد للتفتازاني |
٣. مبادئ العلم العشرة
إنَّ مبادئَ كلِّ فنٍّ عَشَرَة: الحدُّ والموضوعُ ثمَّ الثَّمَرة ... ونسبةٌ وفضلُهُ والواضعُ ... والاسمُ الاستمدادُ حكمُ الشارعِ ... مسائلٌ والبعضُ بالبعضِ اكتفى ... ومَن درى الجميعَ حازَ الشَّرَفا
اكتفى الشيخ المارغني بأهم ثلاثة مبادئ:
| المبدأ | المحتوى |
| التعريف (الحد) |
علم يُبحث فيه عن العقائد الدينية المكتسبة من الأدلة اليقينية. والمراد بالعقائد الدينية: المنسوبة إلى دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم |
| الموضوع |
ذات الله وصفاته (بالأدلة العقلية والنقلية، لا حقيقة الذات فإنها لا يعلمها إلا الله)، وذات الرسل، والممكنات (السمعيات: الحشر، النشر، الجنة، النار...) |
| الفائدة |
أن تصير العقائد الدينية متيقنة لا تزلزلها شبه المبطلين، فينجو المكلف في الآخرة من عذاب الكفر وسوء الاعتقاد |
خطورة الجهل بهذا العلم: في زمن انتشار الشبهات على الإنترنت، قد يشاهد شخص مقطعا لثلاثين ثانية يشكك في وجود الله أو صدق النبوة أو القرآن. فإن لم يكن دارسا لهذا العلم وجب عليه سؤال أهل الذكر، وإلا تعلقت الشبهة بقلبه.
٤. لمحة تاريخية عن نشأة علم الكلام
في عهد الصحابة كان أي شك يُسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة. ثم بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى بدأت الخلافات والفرق:
| الفرقة | النشأة | من ردّ عليهم |
| الخوارج | خرجوا على سيدنا علي (وسط القرن الأول) | عبد الله بن عباس (ناظرهم وأفحمهم) |
| القدرية | القرن الأول | عبد الله بن عمر رضي الله عنه |
| الجهمية | نهاية القرن الأول - الثاني | السلف من التابعين |
| المعتزلة | القرن الثاني | الأئمة الأربعة وغيرهم |
| المشبهة والمجسمة | القرن الثاني وما بعده | الإمام مالك وغيره |
ملاحظة: في كل فترة كان هناك من يرد على الفرق المخالفة: من الصحابة (كابن عباس وابن عمر)، ومن التابعين (كالحسن البصري وسعيد بن المسيب)، ومن الأئمة (كأبي حنيفة الذي ناظر الدهرية والخوارج، ومالك في موقفه من سائل الاستواء).
٥. الإمام الأشعري والإمام الماتريدي
الإمام أبو الحسن الأشعري (٢٦٠-٣٢٤ هـ)
- وُلد في البصرة، ونشأ في حجر زوج أمه أبي علي الجبّائي الذي كان من رؤوس المعتزلة الكبار
- تربى على العلوم العقلية حتى صار رأسا فيها، وكان الجبائي يرسله لإجراء المناظرات نيابة عنه
- لما بلغ الأربعين أجرى مناظرة مشهورة مع زوج أمه (مسألة الإخوة الثلاثة) فلم يُجِبه
- صعد منبر جامع البصرة وقال: «أنا أبو الحسن الأشعري، إني أنخلع من عقائد المعتزلة كما أنخلع من جبتي هذه» وخلعها على المنبر
- ألّف أكثر من مئة كتاب، وصلنا منها خمسة، أهمها: كتاب الإبانة عن أصول الديانة وكتاب اللمع
الإمام أبو منصور الماتريدي (توفي ٣٣٣ هـ)
- وُلد في بلاد ما وراء النهر (أوزبكستان وأفغانستان حاليا)، قبل الأشعري بسبع وعشرين سنة
- ردّ على المجسمة والكرامية في تلك الجهة
- من أهم مؤلفاته: تأويلات أهل السنة (تفسير في ١٣ مجلدا) وكتاب التوحيد
للمعتزلة فضل: كان لهم دور كبير في الدفاع عن الإسلام ضد الزنادقة والنصارى واليهود والمانوية. كما اهتموا بالعلوم العقلية اهتماما كبيرا وأبدعوا في المنطق والفلسفة. لكن وقعوا في أخطاء عقدية ردّ عليها الأشاعرة والماتريدية.
٦. منهج الاستدلال الأشعري
الأشعري والماتريدي لم يبتدعا عقيدة جديدة، بل نصرا عقيدة السلف بالجمع بين الأدلة العقلية والنقلية. وضعا منهج استدلال لفهم العقيدة الإسلامية من القرآن والسنة والعقل.
حقيقة ما فعلاه
- العقيدة الإسلامية موجودة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة
- قاما بالاستدلال عليها: بيّنا كيف نفهم النصوص، وأيها يُحمل على ظاهره وأيها لا
- جمعا بين المنهج العقلي والنقلي: فمن الآيات ما لو حُمل على ظاهره لأدى إلى التشبيه، ومنها ما لو نُفي معناه لأدى إلى التعطيل
- الأشعري في كتاب الإبانة نسب نفسه إلى الإمام أحمد بن حنبل (المحدّث)
انتشار المذهب الأشعري
قال الإمام تاج الدين السبكي: «الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة كلهم أهل سنة وجماعة يدينون بطريقة شيخ السنة أبي الحسن الأشعري، لا يحيد عنها إلا رعاع». وأضاف: «وبرّأ الله المالكية فلم يُرَ مالكي إلا أشعري العقيدة».
المدرسة الأشعرية ليست جامدة: قد يخالف الإمام الغزالي أو الجويني أو الرازي الأشعريَّ في مسائل، وقد يُرجّح قول الرازي على قول الأشعري، كما يُرجّح في الفقه المالكي قول ابن القاسم أو أشهب على قول الإمام مالك.
الآيات الخبرية: مذهب السلف والخلف
نقل الإمام النووي في شرح صحيح مسلم أن الكلام في الآيات الخبرية (كالاستواء واليد والساق) على مذهبين:
| المذهب | المنهج | التفصيل |
| جمهور السلف: التفويض |
تنزيه إجمالي ثم تفويض العلم لله |
ينزّهون الله عن ظاهر الآية المتبادر الذي فيه تشبيه، ثم يقولون: «الله أعلم بمراده». مثل: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة (الإمام مالك) |
| جمهور الخلف: التأويل |
تنزيه إجمالي ثم تأويل بما يناسب السياق واللغة |
مثلا: ﴿يوم يُكشف عن ساق﴾ = عن شدة. ﴿وجاء ربك﴾ = وجاء أمر ربك. بشرط أن يكون المؤوِّل عارفا بكلام العرب وأشعارهم وخُطبهم |
متى يصير التأويل واجبا؟ قال أبو إسحاق الإسفراييني: إذا لم يكتفِ الشخص بالتفويض الإجمالي وبقي في ذهنه تشبيه، صار التأويل واجبا في حقه لدفع التشبيه عن الله تعالى.
أسئلة وأجوبة للمراجعة
س١: ما تعريف الحكم العقلي؟ وما القيدان اللذان يُميّزانه عن غيره؟
الحكم العقلي هو إثبات أمر لأمر أو نفي أمر عن أمر من غير توقف على تكرر ولا وضع. قيد «من غير توقف على تكرر» يُخرج الحكم العادي، وقيد «ولا وضع» يُخرج الحكم الشرعي.
س٢: ما الفرق بين الحكم العقلي الضروري والنظري؟
الضروري لا يحتاج إلى تأمل (كـ ١+١=٢)، والنظري يحتاج إلى تأمل وتفكير وترتيب مقدمات (كعملية حسابية معقدة).
س٣: اذكر أسماء علم العقيدة الأربعة مع وجه كل تسمية.
(١) علم العقائد: لأن موضوعه العقائد. (٢) علم أصول الدين: لأنه أصل يُبنى عليه غيره. (٣) علم التوحيد: لأن التوحيد أشرف مباحثه. (٤) علم الكلام: لأسباب منها كثرة الخلاف في صفة الكلام، وتبويب الكتب القديمة بـ«الكلام في كذا».
س٤: ما تعريف علم العقيدة عند الشيخ المارغني؟
علم يُبحث فيه عن العقائد الدينية المكتسبة من الأدلة اليقينية. والمراد بالعقائد الدينية: المنسوبة إلى دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
س٥: ما موضوع علم العقيدة؟
ذات الله وصفاته (بالأدلة العقلية والنقلية لا بحقيقة الذات)، وذات الرسل وصفاتهم، والممكنات (السمعيات كالحشر والنشر والجنة والنار).
س٦: ما فائدة دراسة هذا العلم؟
أن تصير العقائد الدينية متيقنة لا تزلزلها شبه المبطلين، فينجو المكلف في الآخرة من عذاب الكفر وسوء الاعتقاد.
س٧: ما الفرق بين كتب العقيدة وكتب أصول الدين وكتب علم الكلام؟
كتب العقيدة: أدلة مبسطة مناسبة للمبتدئين. كتب أصول الدين: أدلة تفصيلية مع تحقيق. كتب علم الكلام: أدلة + رد على المخالف + مقدمات فلسفية (الماهية، الوجود، الجوهر...).
س٨: ماذا فعل الإمام الأشعري؟ هل ابتدع عقيدة جديدة؟
لم يبتدع مذهبا بل نصر عقيدة السلف بالجمع بين الأدلة العقلية والنقلية. وضع منهج استدلال لفهم العقيدة الإسلامية من القرآن والسنة والعقل.
س٩: ما قصة انفصال الأشعري عن المعتزلة؟
نشأ في حجر أبي علي الجبائي (من رؤوس المعتزلة). لما بلغ الأربعين ناظره في مسألة الإخوة الثلاثة فلم يُجِبه. فصعد منبر البصرة وأعلن تبرؤه من عقائد المعتزلة.
س١٠: ما مذهب جمهور السلف في الآيات الخبرية (كالاستواء واليد)؟
التفويض: ينزهون الله عن ظاهر التشبيه المتبادر، ثم يفوّضون علم حقيقة المعنى لله تعالى. كقول الإمام مالك: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة».
س١١: ما مذهب جمهور الخلف في الآيات الخبرية؟
التأويل: ينزهون الله عن ظاهر التشبيه، ثم يؤولون بما يناسب السياق واللغة العربية. مثل: ﴿يوم يُكشف عن ساق﴾ أي عن شدة، و﴿وجاء ربك﴾ أي أمر ربك.
س١٢: متى يصير التأويل واجبا؟
إذا لم يكتفِ الشخص بالتفويض الإجمالي وبقي في ذهنه تشبيه، صار التأويل واجبا في حقه لدفع التشبيه. وكذلك إذا احتاج لدفع شبهة عن مخاطَب يبحث عن الحق.
س١٣: لماذا لا يجوز أخذ عقائد فرقة من أقوال مخالفيها؟
لأن المخالف غالبا لا يفهم عقيدة من يخالفه على وجهها الصحيح، وقد يحرّفها أو يبسّطها تبسيطا مُخِلّا. الصواب أن تُؤخذ عقيدة كل فرقة من كتب أكابر علمائها.
س١٤: هل تسمية «شيخ الإسلام» تعني أنه أعلم أهل زمانه؟
لا بالضرورة. شيخ الإسلام رتبة علمية أو منصب. في الدولة العثمانية كل من تولى القضاء الشرعي يُسمى شيخ الإسلام. وكذلك في تونس لُقّب بها الإمام إبراهيم الرياحي والشيخ الطاهر بن عاشور.