الدرس ٥ — العقيدة

وجوب المعرفة على المكلف وتعريفها وشروط التكليف والتقليد

السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى على العقيدة الصغرى

١. نص المتن: وجوب المعرفة

ويجبُ على كلِّ مكلَّفٍ شرعاً أن يعرِفَ ما يجبُ في حقِّ مولانا جلَّ وعزَّ وما يستحيلُ وما يجوزُ. وكذا يجبُ عليه أن يعرِفَ مثلَ ذلك في حقِّ الرُّسُلِ عليهم الصلاةُ والسلام.

هذا هو المقصود بالذات من هذه العقيدة. ما سبق كان من المقدمات، والآن نشرع في مسائل العقيدة.

تقسيم المباحث:
باب الإلهيات: الواجبات في حق الله + المستحيلات + الجائزات
باب النبويات: الواجبات في حق الرسل + المستحيلات + الجائزات

٢. من هو المكلف؟ وما شروط التكليف؟

المكلف من الإنس والجن. أما الملائكة فليسوا بمكلفين لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُرسل إليهم رسالة تشريف لا رسالة تكليف على الراجح عند جمهور الأشاعرة.

الشرطالتفصيلمن يخرج بهذا الشرط
١. البلوغ تبدأ التكليف من حين البلوغ عند الإنس. أما الجن فمكلفون منذ نشأتهم من مات قبل البلوغ فهو من الناجين
٢. العقل غير العاقل ليس بمكلف المجنون
٣. سلامة الحواس ولو السمع أو البصر فقط. إذا فقدهما معا فليس بمكلف على قول من فقد السمع والبصر معا (على قول بعض العلماء)
٤. بلوغ الدعوة من لم تبلغه الدعوة فهو من الناجين: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ أهل الفترة
لا فرق في التكليف: بين ذكر وأنثى، حرّ وعبد. والجن مخلوقون من نار، والإنس من طين، والملائكة من نور.

الأنبياء السابقون ورسالتهم الخاصة

كل نبي من آدم إلى عيسى عليهم السلام كان مرسلا إلى قوم معينين. أما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأُرسل للعالمين جميعا بلا استثناء، وهو النبي الخاتم لا نبي بعده.

٣. الوجوب الشرعي بشرط العقلي

قوله «شرعا» متعلق بـ«يجب» لا بـ«مكلف». أي: يجب بالشرع لا بالعقل على كل مكلف. لكن بشرط العقلي: لأن من لم يكن عاقلا فليس بمكلف أصلا، ولا يمكنه فهم الشرع إلا بالعقل.

إعراب ومعاني المتن

٤. تعريف المعرفة

المعرفة = العلم = الجزم المطابق للواقع عن دليل

اختار الإمام السنوسي لفظ «يعرف» ولم يقل «يجزم» إشارة إلى أن المطلوب في عقائد الإيمان هو المعرفة بهذا التعريف الدقيق.

تحليل ألفاظ التعريف

اللفظالمعنىما يُخرج
الجزم ١٠٠% لا تردد فيه يُخرج الظن (أكثر من ٥٠%)، والشك (٥٠/٥٠)، والوهم (أقل من ٥٠%)، والجهل (صفر)
المطابق للواقع أن يكون ما في الذهن مطابقا لما في الخارج يُخرج الاعتقاد الفاسد: كاعتقاد قدم العالم، أو تعدد الإله، أو أن الله جسم كالأجسام
عن دليل أن تكون العقيدة مبنية على برهان يُخرج التقليد: وهو الجزم المطابق الناشئ عن اتباع قول الغير بلا دليل
في العقيدة لا يكفي الظن: غلبة الظن تكفي في الفقه (الأحكام العملية)، لكن العقائد أمور علمية تلزم فيها ١٠٠% (الجزم). لا يصح أن يقول المكلف «يمكن أن محمدا خاتم الأنبياء» أو «ربما هناك جنة ونار».

الاعتقاد الفاسد

هو الجزم غير المطابق للواقع، وصاحبه مُجمَع على كفره:

استحالة تصور الخالق: العقل المحدود لا يمكنه تصور الخالق غير المحدود. أي شيء تصوّره العقل فهو مخلوق. لذلك نُهينا عن التفكر في ذات الله: ﴿ليس كمثله شيء﴾.

٥. أحكام التقليد في العقيدة

المقلد: من جزم بعقائد مطابقة للواقع لكن عن اتباع قول الغير بلا دليل.

الحالةالحكم
له قدرة على النظر وترك النظرمؤمن عاصٍ (معصيته ترك النظر)، وإيمانه منجيه من الخلود في النار
ليس له قدرة على النظرمؤمن غير عاصٍ
قول آخرالمقلد غير عاصٍ مطلقا
قول المعتزلة (أبو هاشم الجبائي)المقلد كافر مطلقا (قول غير معتمد)
القول المعتمد: التفصيل بين من له قدرة على النظر ومن ليس له. وكلاهما ناجٍ من الخلود في النار.

الدليل الإجمالي يكفي للخروج من التقليد

لا يُشترط النظر التفصيلي على طريق المتكلمين. يكفي المكلف الدليل الإجمالي كجواب الأعرابي الذي سأله الأصمعي عن دليله على وجود الله:

البعرة تدلّ على البعير، وآثار الأقدام تدلّ على المسير، فسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذاتُ فِجاج، وبحورٌ ذاتُ أمواج، ألا تدلُّ على اللطيفِ الخبير؟
نوع النظرالتعريفالحكم
النظر الإجمالي (طريق العامة) الاستدلال البسيط كالأعرابي: السماء والأرض والبحار تدل على الخالق يكفي للخروج من التقليد ولكل مكلف
النظر التفصيلي (طريق المتكلمين) تحرير الأدلة وترتيبها ودفع الشبه الواردة عليها فرض كفاية، وهو مهم جدا خاصة في زمن انتشار الشبهات

٦. أهل الفترة ووالدا النبي صلى الله عليه وسلم

أهل الفترة: من لم تبلغهم دعوة نبي. قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾.

حكمهم عند الأشاعرة: ناجون في الآخرة، لأن الله أعدل العادلين فلا يعذب من لم تبلغه الدعوة.

والدا النبي صلى الله عليه وسلم

حديث «إن أبي وأباك في النار»

الجواب: العرب تطلق الأب على العم. والدليل: قوله تعالى عن أبناء يعقوب: ﴿نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾. وإسماعيل هو عم يعقوب لا أبوه، ومع ذلك سمّاه الله أبا. فالمقصود بـ«أبي» في الحديث: عمه أبو لهب (الذي نصّ القرآن على هلاكه).
قاعدة منهجية: في العقيدة لا يُستدل بأحاديث الآحاد وحدها، بل لا بد من أدلة عقلية ونقلية قاطعة. فقد تكون الأحاديث ضعيفة أو معارَضة بأدلة أخرى أقوى.

٧. الإيمان الشرعي والامتثال الباطني

المسار من النظر إلى الإيمان:

النظر العقليالمعرفة (الجزم المطابق للواقع عن دليل) ← الإيمان الشرعي (التصديق)
الإيمان الشرعي هو التصديق بجميع ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مما عُلِم من الدين بالضرورة

حقيقة التصديق

التصديق هو الامتثال الباطني: إذعان النفس وقبولها وقولها «آمنت بذلك ورضيته». ويُعبَّر عنه بحديث النفس التابع للمعرفة.

المعرفة وحدها لا تكفي: قال تعالى عن اليهود: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾. فهم عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم بعلاماته ولم يؤمنوا. فلا بد مع المعرفة من إذعان النفس وقبولها.

المعلوم من الدين بالضرورة

هو ما يشترك في معرفته العالِم والعامي من المسلمين:

أسئلة وأجوبة للمراجعة

س١: ما نص المتن في أول واجب على المكلف؟ «ويجب على كل مكلف شرعا أن يعرف ما يجب في حق مولانا جل وعز وما يستحيل وما يجوز. وكذا يجب عليه أن يعرف مثل ذلك في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام.»
س٢: ما شروط التكليف الأربعة؟ (١) البلوغ (٢) العقل (٣) سلامة الحواس (ولو السمع أو البصر فقط) (٤) بلوغ الدعوة.
س٣: لماذا الملائكة ليسوا بمكلفين على الراجح؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُرسل إليهم رسالة تشريف لا رسالة تكليف. ويحصل للملائكة شرف الانتساب إلى سيد العالمين.
س٤: ما تعريف المعرفة؟ وما أركان التعريف؟ المعرفة هي الجزم المطابق للواقع عن دليل. أركانها: (١) الجزم: ١٠٠% بلا تردد (٢) المطابقة للواقع: لا يكون اعتقادا فاسدا (٣) عن دليل: لا يكون تقليدا.
س٥: ما الفرق بين الظن والشك والوهم؟ ولماذا لا يكفي أحدها في العقيدة؟ الظن: الاحتمال الراجح (أكثر من ٥٠%). الشك: الاحتمال المساوي (٥٠/٥٠). الوهم: الاحتمال المرجوح (أقل من ٥٠%). لا يكفي أحدها لأن العقائد أمور علمية يلزم فيها الجزم (١٠٠%).
س٦: ما حكم من اعتقد أن الله جسم كالأجسام؟ مُجمَع على كفره. وإن قال «جسم لا كالأجسام» فهو مبتدع على أقل تقدير. لأن العقل لا يمكنه تصور الخالق، وكل ما تصوره العقل فهو مخلوق.
س٧: ما القول المعتمد في حكم المقلد في العقيدة؟ التفصيل: إن كانت له قدرة على النظر وتركه فهو مؤمن عاصٍ (ومعصيته ترك النظر). وإن لم تكن له قدرة فمؤمن غير عاصٍ. وكلاهما ناجٍ من الخلود في النار.
س٨: هل يُشترط على كل مسلم الدليل التفصيلي على طريق المتكلمين؟ لا. يكفي المكلف الدليل الإجمالي للخروج من التقليد. أما النظر التفصيلي فهو فرض كفاية على أهل الاختصاص في علم الكلام.
س٩: من هم أهل الفترة؟ وما حكمهم؟ أهل الفترة هم من لم تبلغهم دعوة نبي. حكمهم عند الأشاعرة: ناجون، لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. ومنهم والدا النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذهب إليه كثير من العلماء.
س١٠: كيف يُجاب عن حديث «إن أبي وأباك في النار»؟ العرب تطلق «الأب» على العم. والدليل: قوله تعالى ﴿وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل﴾ مع أن إسماعيل عم يعقوب لا أبوه. فالمراد بـ«أبي» في الحديث عمّ السائل لا أبوه الحقيقي.
س١١: ما هو الإيمان الشرعي؟ هو التصديق بجميع ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مما عُلم من الدين بالضرورة. وحقيقة التصديق: الامتثال الباطني وإذعان النفس وقبولها.
س١٢: لماذا لم تكفِ معرفة اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ لأنهم عرفوه بعلاماته وصفاته لكنهم لم يُذعنوا ولم يقبلوا. فالمعرفة وحدها لا تكفي، بل لا بد من إذعان النفس وامتثالها الباطني.
س١٣: اذكر أمثلة على المعلوم من الدين بالضرورة. وجوب الصلاة والزكاة وصيام رمضان، وحرمة القتل بغير حق والزنا وشرب الخمر والربا والكذب. يشترك في معرفته العالم والعامي.
س١٤: ما معنى قوله «ويجب شرعا»؟ ولماذا قال «شرعا» لا «عقلا»؟ الوجوب من طريق الشرع لا العقل. لكن بشرط العقل، لأن من ليس بعاقل ليس بمكلف أصلا ولا يمكنه فهم الشرع. وهذا خلافا للمعتزلة الذين قالوا بالوجوب العقلي.