الدرس ٦ — العقيدة

أقسام الصفات الواجبة لله تعالى: الوجود والقدم والبقاء

السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى على العقيدة الصغرى

١. أقسام الصفات الواجبة لله تعالى

فممّا يجبُ لمولانا جلَّ وعزَّ عشرون صفة: واحدةٌ نفسيّة، وخمسٌ سلبيّة، وسبعُ معانٍ، وسبعٌ معنويّة
القسمالعددالتعريفالصفات
صفة نفسية ١ صفة لا تُتعقل الذات بدونها. «نفسية» نسبة للنفس بمعنى الذات (كقوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ أي ذاته) الوجود
صفات سلبية ٥ صفات تسلب (تنفي) عن الله ما لا يليق به. تُسمى أيضا: تنزيهية أو نفيية القِدم، البقاء، المخالفة للحوادث، القيام بالنفس، الوحدانية
صفات معانٍ ٧ كل صفة تقوم بالذات وتوجب لها حكما (مثل: قيام القدرة بالذات يوجب له كونه قادرا) القدرة، الإرادة، العلم، الحياة، السمع، البصر، الكلام
صفات معنوية ٧ تلازم صفات المعاني وتنشأ عنها كونه قادرا، مريدا، عالما، حيا، سميعا، بصيرا، متكلما
تنبيه: «سلبية» ليست ضد «إيجابية». هي مصطلح عند علماء الكلام يعني أن هذه الصفات تسلب (تنفي) عن الله ما لا يليق بجلاله: القدم تسلب الحدوث، البقاء تسلب الفناء، الوحدانية تسلب التعدد، وهكذا.

٢. لماذا عشرون صفة فقط؟

الله سبحانه وتعالى له كمالات لا تتناهى، وهو غير محدود وكمالاته غير محدودة. لكن هذه العشرين صفة هي التي قامت عليها الأدلة التفصيلية العقلية والنقلية. فأُثبتت تفصيلا، وبقية الكمالات تُثبت إجمالا.

قال السنوسي «فممّا» (بمن التبعيضية) إشارة إلى عدم الحصر، فكمالات الله لا تتناهى.

تنبيه: من قال إن الأشاعرة حصروا صفات الله في عشرين فقط فقد أخطأ. الصحيح أنهم قالوا: هذه العشرون هي التي عليها أدلة تفصيلية. أما بقية الكمالات فتُثبت إجمالا.

منهج الإمام السنوسي في الترتيب

يعدّد أولا الصفات الواجبة في حق الله، ثم الواجبة في حق الرسل، ثم يعود في مبحث مستقل ليذكر البراهين التفصيلية لكل صفة: برهان الوجود، برهان القدم، برهان البقاء، وهكذا.

٣. الصفة الأولى: الوجود (صفة نفسية)

فمما يجبُ لمولانا جلَّ وعزَّ عشرون صفة وهي: الوجود

لماذا بدأ بالوجود؟

قُدّم الوجود على غيره لأنه كالأصل لما عداه. لا يمكن أن يُوصف شيء بأنه قديم أو عالم أو قادر وهو غير موجود. فالوجود أصل الصفات والبقية تأتي بعده.

تعريف صفة الوجود

الوجود: الحصول والثبوت في الخارج (أي خارج الذهن = في الواقع) بحيث يصح أن يُرى المتصف به. ويقابل الوجودَ العدمُ.

المسألةالتفصيل
«يصح أن يُرى» ليس شرطا أن نراه الآن، بل يكفي أن يكون قابلا للرؤية. كالبكتيريا: لا نراها بالعين لكن تُرى بالمجهر. والله تعالى يصح أن يُرى في الآخرة
«في الخارج» أي خارج الذهن = في الواقع. لأن هناك وجودا ذهنيا (تصوّرات في الذهن) ووجودا خارجيا (في الواقع)
قاعدة مهمة عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. ليس كل ما لم نره غير موجود

وجود الله ليس كوجود الحوادث

وجود الله تعالىوجود المخلوقات
النوعوجود ذاتي (ليس بتأثير مؤثر)وجود طارئ عارض (بتأثير الله وفعله)
البدايةلا بداية له (لم يُوجِده شيء)لكل مخلوق بداية
النهايةلا نهاية له (لا يقبل العدم)يجوز عقلا أن يلحقه العدم
كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض
(أخرجه البخاري عن عمران بن حصين)
فائدة نحوية: في الحديث «كان الله ولم يكن شيء» جاءت «كان» تامة (اكتفت بمرفوعها ولم تحتج لخبر)، مما يدل على أن الله سبحانه لم يكن معه شيء أبدا: لا عرش ولا كرسي ولا سماء ولا أرض ولا زمان ولا مكان.

٤. الصفة الثانية: القِدم (أولى الصفات السلبية)

القِدم: عدم الأولية للوجود

تعريفات متعددة للقدم

التعريفالشرح
عدم الأولية للوجودكون الوجود ليس له أول
سلب العدم السابق على الوجودنفي أن يكون هناك عدم سابق لوجوده
عدم افتتاح الوجودليس لوجوده ابتداء

كل إنسان له عدم سابق: كل الأزمنة قبل تاريخ ميلاده كان فيها معدوما. أما الله سبحانه وتعالى فليس له عدم سابق، فهو موجود بلا بداية.

القدم اللغوي والاصطلاحي

المعنى اللغويالمعنى الاصطلاحي (عند المتكلمين)
طول المدة في جانب الماضي. مثل: «هذا بناء قديم» (جامع الزيتونة عمره أكثر من ألف عام، لكن له بداية) ليس له بداية أصلا. لا أول لوجوده مطلقا
لفظ «القديم» في السنة النبوية: عدّه الحليمي (من أكابر الشافعية) في الأسماء الحسنى. قال: لم يرد في الكتاب نصا، ولكن ورد في السنة: «أعوذ بالله بسلطانه القديم» (أخرجه أبو داود وابن ماجه). [الغيث الهامع شرح جمع الجوامع]

٥. الصفة الثالثة: البقاء

البقاء: عدم الآخرية للوجود

تعريفات البقاء

التعريفالشرح
عدم الآخرية للوجودليس لوجوده نهاية
سلب العدم اللاحق للوجودنفي أن يلحق العدم وجوده
سلب الآخرية للوجودنفي أن يكون لوجوده آخر
﴿هو الأولُ والآخِرُ﴾
الأول = قبل كل شيء بلا بداية (دليل القِدم)
الآخر = بعد كل شيء بلا نهاية (دليل البقاء)

البقاء اللغوي والاصطلاحي

المعنى اللغويالمعنى الاصطلاحي
استمرار الوجود مع جواز لحوق العدم. مثل: «هذا المنزل باقٍ» (لكن قد يُهدم يوما) استمرار الوجود مع استحالة لحوق العدم. الله لا يفنى أبدا

العلاقة بين القدم والبقاء ووجوب الوجود

وجوب الوجود يعني أن وجوده تعالى لا يقبل العدم لا في الماضي ولا في المستقبل. فمن فهم مفهوم وجوب الوجود يستنتج منه القدم (عدم الأولية) والبقاء (عدم الآخرية). لكن بما أن هذا مقام عقيدة وأمور خطيرة، أُفردت كل صفة بتعريفها ودليلها الخاص.

مسألة بقاء الجنة والنار

الحكم العقليالحكم الشرعي
يجوز عقلا لحوق العدم بكل ما سوى الله (بما فيه الجنة والنار والعرش) ثبت شرعا أن الله شاء لهما البقاء: ﴿خالدين فيها أبدا﴾. فلا يجوز القول بفنائهما
تنبيه: القول بفناء النار أو الجنة أقل ما فيه أنه بدعة، وإذا أصرّ صاحبه بعد الأدلة فقد يؤدي إلى أمور خطيرة. فقد ردّ العلماء على من قال بذلك.

٦. الأزل والأبد

المصطلحالتعريفالتعبير عنه
الأزل استمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب الماضي «فيما لم يزل»
الأبد استمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب المستقبل «فيما لا يزال»
الله سبحانه وتعالى: أزلي (بلا بداية) وأبدي (بلا نهاية). مهما رجعتَ بالعدد في الماضي فالله موجود قبل ذلك، ومهما تصوّرت من المستقبل فالله باقٍ بعد ذلك.
تنبيه لغوي: ألفاظ «قبل» و«بعد» و«ثم» هي حدود اللغة العربية. الله لا يجري عليه الزمان سبحانه وتعالى. فهذه مجرد اصطلاحات لغوية للتقريب، لا تعني أن الله خاضع للزمن.

ملاحظة منهجية

يجب على الطالب دائما التفريق بين التعريف اللغوي (الموجود في المعاجم) والتعريف الاصطلاحي (المستعمل في العلم المخصوص). مثل: الصلاة لغة = الدعاء، واصطلاحا = العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم.

أسئلة وأجوبة للمراجعة

س١: ما أقسام الصفات الواجبة لله تعالى الأربعة؟ مع ذكر عدد كل قسم. (١) صفة نفسية: واحدة (الوجود). (٢) صفات سلبية: خمس (القدم، البقاء، المخالفة للحوادث، القيام بالنفس، الوحدانية). (٣) صفات معانٍ: سبع (القدرة، الإرادة، العلم، الحياة، السمع، البصر، الكلام). (٤) صفات معنوية: سبع (تلازم صفات المعاني).
س٢: ما المقصود بالصفة النفسية؟ ولماذا سُميت كذلك؟ صفة لا تُتعقل الذات بدونها. سميت نفسية نسبة للنفس بمعنى الذات، كقوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ أي ذاته. وليست نسبة إلى الروح.
س٣: ما المقصود بالصفات السلبية؟ ولماذا سُميت كذلك؟ صفات تسلب (تنفي) عن الله ما لا يليق به. وتُسمى أيضا تنزيهية أو نفيية. «سلبية» ليست ضد «إيجابية»، بل هي مصطلح كلامي فقط.
س٤: هل صفات الله محصورة في عشرين صفة فقط؟ لا. الله له كمالات لا تتناهى. لكن هذه العشرون هي التي قامت عليها الأدلة التفصيلية العقلية والنقلية فأُثبتت تفصيلا. أما بقية الكمالات فتُثبت إجمالا.
س٥: لماذا بدأ العلماء بصفة الوجود؟ لأن الوجود كالأصل لما عداه من الصفات. لا يمكن إثبات صفات (كالقدم والعلم والقدرة) لغير موجود.
س٦: ما تعريف صفة الوجود؟ الحصول والثبوت في الخارج (أي الواقع خارج الذهن) بحيث يصح أن يُرى المتصف به. ويقابله العدم.
س٧: ما الفرق بين وجود الله ووجود المخلوقات؟ وجود الله ذاتي (ليس بتأثير مؤثر، فلا بداية ولا نهاية). أما وجود المخلوقات فطارئ (بتأثير الله وفعله، لكل مخلوق بداية، ويجوز عقلا أن يلحقه العدم).
س٨: ما معنى «يصح أن يُرى» في تعريف الوجود؟ ليس شرطا أن نراه الآن، بل أن يكون قابلا للرؤية. فالبكتيريا لا نراها بالعين لكنها موجودة وتُرى بالمجهر. والله يصح أن يراه المؤمنون في الآخرة.
س٩: ما تعريف صفة القدم؟ واذكر تعريفين آخرين. عدم الأولية للوجود. وكذلك: سلب العدم السابق على الوجود. وعدم افتتاح الوجود.
س١٠: ما الفرق بين القدم اللغوي والقدم الاصطلاحي؟ اللغوي: طول المدة (كقولنا بناء قديم، لكن له بداية). الاصطلاحي عند المتكلمين: ليس له بداية أصلا.
س١١: ما تعريف صفة البقاء؟ عدم الآخرية للوجود. أو: سلب العدم اللاحق للوجود. معناه أن الله ليس لوجوده نهاية ولا يلحقه العدم.
س١٢: ما الفرق بين الأزل والأبد؟ الأزل: استمرار الوجود في أزمنة غير متناهية في جانب الماضي (يُعبّر عنه بـ«فيما لم يزل»). الأبد: استمرار الوجود في أزمنة غير متناهية في جانب المستقبل (يُعبّر عنه بـ«فيما لا يزال»).
س١٣: ما حكم القول بفناء الجنة أو النار؟ عقلا: يجوز لحوق العدم بكل ما سوى الله. لكن شرعا: ثبت بالآيات الكثيرة (﴿خالدين فيها أبدا﴾) أن الله شاء لهما البقاء. فلا يجوز القول بفنائهما، وهو بدعة على أقل تقدير.
س١٤: كيف يجمع مفهوم «وجوب الوجود» بين القدم والبقاء؟ وجوب الوجود يعني أن وجوده تعالى لا يقبل العدم لا في الماضي (وهذا هو القدم) ولا في المستقبل (وهذا هو البقاء). لكن أُفردت كل صفة بتعريفها ودليلها لأن المقام مقام عقيدة والأمور فيه خطيرة.
س١٥: ما الدليل القرآني على القدم والبقاء معا؟ قوله تعالى: ﴿هو الأول والآخر﴾. «الأول» = قبل كل شيء بلا بداية (دليل القدم). «الآخر» = بعد كل شيء بلا نهاية (دليل البقاء).