الدرس السابع (٧)

مخالفة الحوادث - مسألة التنزيه والتأويل - القيام بالنفس

السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى | عقيدة السداسي ١

مراجعة ما سبق

الصفات التي تمّ دراستها: الوجود (صفة نفسية)، القدم (سلبية)، البقاء (سلبية). يجب لله تعالى عشرون صفة، منها ما قامت عليه أدلّة تفصيلية فنصّ عليها العلماء، وبقيّة كمالاته تعالى نؤمن بها إجمالا.
الصفةالتعريفالنوع
الوجودالحصول والثبوت في الخارج بحيث يصحّ أن يُرى المتّصف بهانفسية
القِدَمعدم الأوّلية للوجودسلبية
البقاءعدم الآخِرية للوجودسلبية

الصفة الرابعة: مخالفته تعالى للحوادث

نصّ المتن: والصفة الرابعة من العشرين الواجبة لله جلّ ذكره: مخالفته تعالى للحوادث.

التعريف

الأدلّة النقلية

الآيةالدلالة
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (الشورى)صدر الآية تنزيه (نفي المشابهة)، وعجزها إثبات (السمع والبصر)
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ (الإخلاص)نفي المماثلة والنظير مطلقا
قاعدة لغوية: النكرة في سياق النفي تعمّ. فكلمة "شيء" نكرة مسبوقة بـ"ليس"، فتشمل كلّ شيء بلا استثناء. وكذلك "كفوا" نكرة مسبوقة بـ"لم يكن".

الردّ على الفرق المنحرفة

آية الشورى تردّ على فريقين:
  • صدرها ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ يردّ على المجسّمة الذين يشبّهون الله بالأجسام.
  • عجزها ﴿ وهو السميع البصير ﴾ يردّ على المعطّلة النافين لجميع الصفات.
التسبيح دليل التنزيه: سبحان الله معناها أنزّه الله عن كلّ ما لا يليق به. وفي القرآن صيغ كثيرة: سبحان، يسبّح، سبّح، سبِّح... كلّها تدلّ على التنزيه المطلق.

النصوص الموهمة للتشبيه ومنهج التعامل معها

نصّ الشارح: فإذا وجدتَ في كلام الله أو كلام رسوله ما يوهم مِثله، فلا تعتقد ظاهره، للإجماع على تأويله أي صرفه عن ظاهره.

أمثلة من النصوص

النصّالمصدر
﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾طه: ٥
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾الفتح: ١٠
﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾القمر: ١٤
"ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر"البخاري ومسلم

أقوال العلماء في التنزيه

الإمام البيهقي (المحدّث)

يجب أن يُعلَم أنّ استواء الله ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج، ولا استقرار في مكان، ولا مماسّة لشيء من خلقه، لكنّه مستوٍ على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين، بائن من جميع خلقه. وأنّ إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأنّ نزوله ليس بنقلة، وأنّ نفسه ليست بجسم، وأنّ يده ليست بجارحة، وأنّ عينه ليست بحدقة.

الإمام النووي (شارح صحيح مسلم)

هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء: الأوّل (مذهب جمهور السلف وبعض المتكلّمين): يُؤمَن بأنّها حقّ على ما يليق بالله، وأنّ ظاهرها المتعارف في حقّنا غير مراد، ولا يُتكلَّم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله عن صفات المخلوقين. الثاني (مذهب أكثر المتكلّمين وجماعات من السلف): أنّها تُتأوَّل على ما يليق بها بحسب مواطنها.

الإمام مالك بن أنس

تأوّل حديث النزول بأنّ معناه: تنزل رحمته وأمره وملائكته، كما يُقال: فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره.

الإمام ابن العربي المالكي

النزول راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل ذلك عبارة عن ملَكه الذي ينزل بأمره ونهيه.

ابن حجر العسقلاني (أمير المؤمنين في الحديث)

نقل عن ابن العربي: النزول راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته. ثمّ نقل عن ابن فُورَك أنّ بعض المشايخ ضبطه بضمّ أوّله: "يُنزِل مَلَكا".

عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي

يستحيل على الله عزّ وجلّ الحركة والنقلة والتغيير، ويجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأنّ النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام، وهذا لا يجوز على الله قطعا.

الإمام الطبري في تفسير "العليّ العظيم"

العليّ: ذو العلوّ والارتفاع على خلقه بقدرته (لا بالمكان). جامع البيان، الجزء الرابع.

ابن كثير في تفسير ﴿ ثمّ استوى على العرش ﴾

والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبّهين منفيّ عن الله، فإنّ الله لا يشبهه شيء من خلقه.

حديث النزول والواقع الفلكي: الثلث الأخير من الليل لا يخلو منه وقت على وجه الأرض، لاختلاف المناطق الزمنية. فمن حَمَل الحديث على ظاهره بالنزول الحسّي، يلزمه أن يكون الله صاعدا نازلا بلا انقطاع، وهذا محال لا يُوصَف به الخالق سبحانه.

منهج التفويض والتأويل

قال الإمام اللقاني: وكلّ نصّ أوهم التشبيه --- أوِّلهُ أو فوِّض ورُم تنزيها

المرحلة المتّفق عليها

اتّفق السلف والخلف جميعا على التنزيه الإجمالي: أنّ الظاهر المتبادر من هذه الآيات التي فيها معنى التشبيه، اللهُ مُنَزَّه عنها.

المسلكان بعد التنزيه الإجمالي

المسلكأصحابهالمنهج
التفويضجمهور السلف وبعض الخلفإثبات ما أثبته الله لنفسه مع القول: الله أعلم بمراده، دون الخوض في تحديد المعنى
التأويلجمهور الخلف وبعض السلف (منهم مالك والأوزاعي)حمل اللفظ على أحد معانيه في كلام العرب بما يليق بالله، وفق ضوابط لغوية وعقدية
شروط التأويل: يشترط أن يكون المؤوِّل عالما بالعربية، وبالبلاغة، وبالعقيدة الصحيحة، لئلّا يحمل اللفظ على معنى لا يليق بالله. فهذا شأن العلماء لا العوامّ.
مسألة المكان: الله كان ولم يكن شيء غيره، لا سماء ولا عرش ولا مكان ولا زمان. فمن زعم أنّ الله اتّخذ العرش أو السماء مكانا، يلزمه إمّا أنّه لم يكن كاملا قبل ذلك (وهذا كفر)، أو أنّه صار محدودا بالعرش المحدود (وهذا تجسيم صريح). فالله مُنَزَّه عن المكان والزمان.

الصفة الخامسة: القيام بالنفس (الغِنى المطلق)

نصّ المتن: ويجب لمولانا جلّ ذكره قيامه تعالى بنفسه، أي لا يفتقر إلى مَحَلٍّ ولا مُخَصِّص.

جواز إطلاق النفس على الله تعالى

يجوز إطلاق النفس عليه تعالى بمعنى الذات، والدليل: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾، ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ أي ذاته.

ما يندرج تحت هذه الصفة

الأمرالمعنىالدليل
سلب الافتقار إلى مَحَلّالله ليس صفة تحتاج إلى ذات تقوم بها، بل هو ذات موصوفة بصفات الكمالالمحلّ هنا بمعنى الذات التي توجد فيها الصفة، لا بمعنى المكان
سلب الافتقار إلى مُخَصِّصالله لا يحتاج إلى موجِد أو فاعل يخصّصه بالوجود بدل العدملو احتاج إلى مخصِّص لكان حادثا، والله قديم
استلزام هذين الأمرين: سلب الافتقار إلى المحلّ والمخصِّص يستلزم سلب الافتقار إلى كلّ شيء: الوالد، الولد، الصاحبة، الوزير، المعين، المكان، الزمن، الطعام... فكأنّ المراد: عدم افتقاره تعالى إلى شيء من الأشياء.

الغِنى المطلق

القيام بالنفس عبارة عن الغِنى المطلق: أي استغناء الله تعالى عن كلّ شيء. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾، وقال: ﴿ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴾، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾.

أسئلة وأجوبة

س١: ما معنى مخالفة الله تعالى للحوادث؟

عدم مماثلته تعالى للحوادث (المخلوقات) في الذات والصفات والأفعال، مخالفة تامّة من كلّ الوجوه.

س٢: ما دلالة قاعدة "النكرة في سياق النفي تعمّ"؟

كلمة "شيء" في ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نكرة في سياق النفي، فتعمّ كلّ شيء بلا استثناء. فأيّ شيء تصوّره الإنسان فالله بخلافه.

س٣: على مَن يردّ صدر آية الشورى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾؟

يردّ على المجسّمة وأضرابهم الذين يشبّهون الله بالأجسام.

س٤: على مَن يردّ عجز الآية ﴿ وهو السميع البصير ﴾؟

يردّ على المعطّلة النافين لجميع صفات الله تعالى.

س٥: ما معنى التسبيح وما علاقته بالتنزيه؟

سبحان الله معناها: أنزّه الله عن كلّ ما لا يليق به. فالتسبيح بجميع صيغه (سبحان، يسبّح، سبّح...) يدلّ على التنزيه المطلق.

س٦: كيف فسّر الطبري "العليّ" في آية الكرسي؟

قال: العليّ ذو العلوّ والارتفاع على خلقه بقدرته، لا بالمكان. (جامع البيان، ج٤).

س٧: كيف تعامل ابن كثير مع ﴿ ثمّ استوى على العرش ﴾؟

قال: والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبّهين منفيّ عن الله، فإنّ الله لا يشبهه شيء من خلقه.

س٨: ما الفرق بين التفويض والتأويل؟

التفويض: إثبات النصّ مع تفويض معناه التفصيلي إلى الله (الله أعلم بمراده). التأويل: حمل اللفظ على معنى آخر من معانيه في كلام العرب بما يليق بالله. وكلاهما يشترط التنزيه الإجمالي.

س٩: لماذا يستحيل أن يكون لله مكان؟

لأنّ الله كان ولم يكن شيء غيره. فلو اتّخذ المكان بعد خلقه يلزم أنّه لم يكن كاملا قبل ذلك (وهذا كفر)، أو أنّه صار محدودا بمحدود (وهذا تجسيم).

س١٠: ما المراد بالمحلّ في صفة القيام بالنفس؟

المراد بالمحلّ: الذات التي توجد فيها الصفة، وليس المقصود المكان. فالله ليس صفة تحتاج إلى ذات تقوم بها، بل هو ذات موصوفة بصفات الكمال.

س١١: لماذا اقتصر المصنّف على سلب الافتقار إلى المحلّ والمخصِّص فقط؟

لأنّ نفي هذين يستلزم نفي كلّ الافتقارات الأخرى (الوالد، الولد، الزوجة، الوزير، المعين، المكان، الزمن...)، إذ من يحتاج إلى محلّ أو مخصِّص يكون حادثا، والحادث هو الذي يفتقر إلى هذه الأمور.

س١٢: ما الفرق بين ابن العربي المالكي ومحيي الدين ابن عربي؟

أبو بكر ابن العربي المعافري الإشبيلي (ت٥٤٢هـ) فقيه مالكي محدّث، تلميذ الإمام الغزالي، له شرحان على الموطّأ وكتاب أحكام القرآن. أمّا محيي الدين ابن عربي (ت٦٣٨هـ) فصوفي مشهور، وهو شخص مختلف تماما.

س١٣: هل الأشاعرة يقولون "الله في كلّ مكان"؟

لا، هذا كلام خاطئ يُنسَب إليهم زورا. الأشاعرة يقولون: الله مُنَزَّه عن المكان أصلا، لا يُقال "في مكان" ولا "في كلّ مكان"، لأنّ "في" الظرفية تقتضي الحلول، والله منزَّه عنه.

س١٤: لماذا لا ينبغي للعوامّ الخوض في مسائل الصفات الخبرية؟

لأنّ هذه المسائل تحتاج إلى علم بالعربية والبلاغة والعقيدة، وهي شأن المتخصّصين. كما أنّ الإنسان لا يخوض في دقائق الطبّ أو الهندسة بلا تخصّص، فكيف بأهمّ شيء في حياته وهو الدين؟

س١٥: ما معنى الغِنى المطلق؟

هو استغناء الله تعالى عن كلّ شيء من خلقه. لا يحتاج إلى شيء أبدا سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿ يا أيّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد ﴾.