الصفة السادسة: الوَحدانية
نصّ المتن: والصفة السادسة من العشرين: الوَحدانية، أي لا ثانيَ له.
ضبط اللفظ والتعريف
- الضبط: الوَحدانية (بفتح الواو وتشديد الياء)، لا "الوِحدانية".
- تفسير الواحد: ما لا ثانيَ له (تفسير للمشتقّ).
- تفسير الوَحدانية: نفي الاثنينية في ذاته تعالى وصفاته وأفعاله (تفسير للمصدر).
لماذا اكتفى بنفي الثاني؟ لأنّ نفي الثاني يستلزم نفي ما وراءه (الثالث والرابع...)، إذ لا يتأتّى الثالث إلّا بعد تحقّق الثاني. فنفي الثاني كافٍ لنفي جميع الأعداد.
أقسام الوَحدانية عند أهل السنّة
ثلاثة أقسام: وحدانية في الذات، ووحدانية في الصفات، ووحدانية في الأفعال.
تنبيه: هذا تقسيم أهل السنّة (الأشاعرة والماتريدية). أمّا التقسيم إلى "توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات" فليس تقسيم أهل السنّة للتوحيد، وهو مصطلح خاصّ بغيرهم.
القسم الأوّل: وحدانية الذات
تتضمّن أمرين:
| الأمر | المعنى | المصطلح | البيان |
| الأوّل | عدم تركّب ذاته تعالى من أجزاء | نفي الكمّ المتّصل في الذات | الله ليس له جزء علوي وسفلي أو يمين وشمال، لأنّ التركيب يقتضي الحدوث والعجز |
| الثاني | عدم وجود مماثل له في ذاته | نفي الكمّ المنفصل في الذات | لا توجد في الوجود ذات مثل ذات الله: ذاته قديمة وبقيّة الذوات حادثة، ذاته غير محدودة وذوات المخلوقات محدودة |
الكمّ المتّصل: أشياء مرتبطة ببعضها تدلّ على التركيب (كأجزاء الجسد أو أجزاء الكأس). الكمّ المنفصل: وجود شيء آخر مماثل (كقلمين متشابهين).
لماذا يستحيل التركيب؟ لو كانت ذات الله مركّبة من أجزاء، فمن ركّبها؟ ولماذا بهذا الشكل وبهذه الأبعاد؟ فالتركيب يقتضي محدوديّة وحدوثا، وكلّ محدود حادث. والله مخالف لجميع الحوادث.
القسم الثاني: وحدانية الصفات
تتضمّن أمرين:
| الأمر | المعنى | المصطلح | البيان |
| الأوّل | عدم تعدّد صفاته تعالى من جنس واحد | نفي الكمّ المتّصل في الصفات | ليس لله قدرتان أو إرادتان أو عِلمان، بل قدرة واحدة تتعلّق بجميع الممكنات |
| الثاني | عدم ثبوت صفة لغيره تماثل صفة من صفاته | نفي الكمّ المنفصل في الصفات | الاشتراك في اسم الصفة لا يعني التماثل في حقيقتها |
توضيح الاشتراك اللفظي
نقول: لله علم ولفلان علم، لكنّ حقيقة العلمين مختلفة تماما:
- علم الله قديم، وعلم البشر حادث.
- علم الله محيط بكلّ شيء، وعلم البشر محدود ومعرّض للنسيان.
- سمع الله ليس بآلة ولا جارحة، ويتعلّق بجميع المسموعات. وسمع البشر بالأذنين، ولا يسمع صوتا بعيدا أو خافتا.
فهذا اشتراك في اللفظ لا في الحقيقة.
لماذا يستحيل تعدّد الصفة من نفس الجنس؟ لأنّ وجود قدرتين يقتضي أنّ القدرة الأولى قاصرة عاجزة عن التعلّق بكلّ شيء، وهذا يلزم منه العجز والتركيب، وكلاهما محال في حقّ الله.
القسم الثالث: وحدانية الأفعال
المعنى: عدم وجود مؤثّرٍ معه سبحانه في شيء من أفعاله، لا بالاستقلال ولا بالمشاركة.
| الجانب | البيان |
| نفي الاستقلال | لا يوجد خالق آخر مستقلّ بالتأثير في الكون |
| نفي المشاركة | لا يوجد خالق آخر مشارك لله في جزء من الكون |
الأدلّة: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾، ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾. فهو سبحانه المنفرد بالتأثير في جميع الممكنات، أي المنفرد بإيجادها وإعدامها.
ملاحظة: وحدانية الأفعال فيها نفي الكمّ المنفصل فقط (لا توجد ذات أخرى تقوم بأفعال مثل أفعال الله)، أمّا تعدّد أفعاله تعالى فثابت لا يُنفَى (خَلْقا ورزقا وإغناءً وإفقارا وإعزازا وإذلالا...).
أفعال الله تعلّقات القدرة
- أفعال الله هي تعلّقات صفة القدرة: الخلق، الإحياء، الإماتة، الرزق، إنزال المطر، إنبات النبات...
- الأفعال عند الأشاعرة حادثة (أي تحدث في وقت معيّن)، لكنّها لا تقوم بذات الله بل هي خارجة عنها.
- القدرة ذاتها قديمة، أمّا تعلّقاتها (أي صدور الأفعال) فحادثة.
مدخل إلى صفات المعاني السبع
ملخّص ما درسناه حتّى الآن: الصفة النفسية الوحيدة (الوجود)، ثمّ خمس صفات سلبية (القدم، البقاء، مخالفة الحوادث، القيام بالنفس، الوَحدانية) = ستّ صفات.
الصفة النفسية
- هي التي لا تتحقّق الذات في الخارج بدونها، وهي الوجود.
- سمّيت نفسية نسبةً إلى النفس بمعنى الذات، لأنّها ملازمة للذات.
الصفات السلبية
- سمّيت سلبية نسبةً إلى السلب بمعنى النفي، لأنّ مدلول كلّ واحدة منها عدم أمر لا يليق بالله تعالى.
- ليست "سلبية" ضدّ "إيجابية"، بل هي صفات تنزيهية: تنزّه الله عمّا لا يليق به.
- الوحدانية تنزيه عن التعدّد، القِدَم تنزيه عن الحدوث، البقاء تنزيه عن الفناء... وهكذا.
- هي أمور اعتبارية ذهنية، ليست موجودة في الخارج كوجود صفات المعاني.
صفات المعاني السبع: تعريف عامّ
صفة المعنى: هي كلّ صفة قائمة بالذات موجِبة لها حكما. وهي صفات موجودة في الخارج حقيقةً (بخلاف الصفات السلبية الاعتبارية)، وكلّها قديمة ليس لها بداية.
الفرق بين صفات المعاني والسلبية: صفات المعاني موجودة في الخارج قائمة بذات الله تعالى (يصحّ أن تُرى). أمّا الصفات السلبية فهي مفاهيم اعتبارية يقدّرها الذهن ويعتبرها.
أسئلة وأجوبة
س١: ما تعريف الوَحدانية؟
نفي الاثنينية في ذاته تعالى وصفاته وأفعاله. أي أنّ الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.
س٢: لماذا اكتفى السنوسي بقوله "لا ثانيَ له" ولم يقل "لا ثالث ولا رابع..."؟
لأنّ نفي الثاني يلزم منه نفي ما وراءه، إذ لا يتأتّى الثالث فما فوقه إلّا بعد تحقّق الثاني. فنفي الثاني كافٍ.
س٣: ما الفرق بين الكمّ المتّصل والكمّ المنفصل؟
الكمّ المتّصل: أجزاء مترابطة مركّبة (كأعضاء الجسد). الكمّ المنفصل: وجود شيء آخر مماثل منفصل (كقلمين متشابهين).
س٤: لماذا يستحيل أن تكون ذات الله مركّبة؟
لأنّ التركيب يقتضي الحدوث والعجز، فالمركّب يحتاج إلى من ركّبه ولماذا بهذا الشكل. وكلّ مركّب له أبعاد وبداية ونهاية، والله منزّه عن ذلك.
س٥: لماذا يستحيل تعدّد صفة الله من نفس الجنس؟
لأنّ وجود قدرتين مثلا يعني أنّ القدرة الأولى قاصرة عاجزة عن التعلّق بكلّ الممكنات، وهذا يلزم منه العجز والتركيب، وكلاهما محال.
س٦: هل الاشتراك في اسم الصفة (كالعلم والسمع) يعني التماثل؟
لا. هو اشتراك لفظيّ فقط. حقيقة علم الله قديم محيط بكلّ شيء، وحقيقة علم البشر حادث محدود معرّض للنسيان. وكذلك في السمع والبصر وغيرها.
س٧: ما المقصود بالخَلْق؟
الخلق هو الإخراج من العدم إلى الوجود. وهو خاصّية الإله وحده، لا خاصّية المخلوق. فلا يصحّ قول "فلان خلق هذا الشيء"، بل نقول: اخترعه أو صنعه أو أوجده.
س٨: ما معنى وحدانية الأفعال؟
أنّه سبحانه لا يوجد مؤثّر معه في شيء من أفعاله، لا بالاستقلال ولا بالمشاركة. فالله هو المؤثّر الوحيد في الكون، وكلّ ما يحدث فيه من خير وشرّ خلقه الله.
س٩: هل أفعال الله قديمة أم حادثة؟
أفعال الله (تعلّقات القدرة) حادثة، أي تحدث في وقت معيّن. لكنّ القدرة ذاتها صفة قديمة. وعلم الله بها منذ الأزل يتعلّق بصفة العلم لا بصفة القدرة.
س١٠: لماذا ليست في وحدانية الأفعال نفي للكمّ المتّصل؟
لأنّ تعدّد أفعال الله ثابت لا يُنفَى (خلقا ورزقا وإحياءً وإماتةً...)، فلا يُقال أنّ أفعاله واحدة. إنّما يُنفَى الكمّ المنفصل فقط: لا توجد ذات أخرى تفعل مثل أفعاله.
س١١: لماذا سمّيت الصفات السلبية بهذا الاسم؟
نسبة إلى السلب بمعنى النفي، لأنّ مدلول كلّ واحدة منها عدم أمر لا يليق بالله. وليست "سلبية" ضدّ "إيجابية"، بل هي صفات تنزيهية.
س١٢: ما الفرق بين الصفة النفسية وصفة المعنى؟
الصفة النفسية (الوجود) ملازمة للذات ولا تتحقّق الذات بدونها. صفة المعنى قائمة بالذات وموجبة لها حكما، وهي موجودة في الخارج حقيقةً.
س١٣: كم هي جملة الأمور المنفيّة بمطلق الوَحدانية؟
خمسة أمور: اثنان في الذات (التركّب والمماثلة)، واثنان في الصفات (التعدّد من نفس الجنس ومماثلة الغير)، وواحد في الأفعال (وجود مؤثّر آخر).
س١٤: ما معنى أنّ صفات المعاني "موجودة في الخارج"؟
أنّها صفات حقيقية قائمة بذات الله في الخارج يصحّ أن تُرى، بخلاف الصفات السلبية التي هي مفاهيم ذهنية اعتبارية.
س١٥: ما أقسام الصفات العشرين الواجبة لله تعالى؟
صفة نفسية واحدة (الوجود)، وخمس صفات سلبية (القدم، البقاء، مخالفة الحوادث، القيام بالنفس، الوحدانية)، وسبع صفات معاني (القدرة، الإرادة، العلم، الحياة، السمع، البصر، الكلام)، وسبع صفات معنوية مشتقّة منها.