الدرس التاسع (٩)
صفة القدرة - صفة الإرادة - العلاقة بين الصفات والتعلّقات
السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى | عقيدة السداسي ١
مراجعة شاملة
ما درسناه حتّى الآن: بدأنا بتقسيم الحكم العقلي (الواجب، الجائز، المستحيل)، والضروري والنظري. ثمّ مبادئ علم العقيدة (التعريف، الثمرة). ثمّ الصفات: الوجود (نفسية)، القدم، البقاء، مخالفة الحوادث، القيام بالنفس، الوَحدانية (سلبية). والآن ندخل في صفات المعاني السبع.
الصفات المصحّحة للفعل
أربع صفات تسمّى الصفات المصحّحة للفعل: القدرة، الإرادة، العلم، الحياة. يستحيل عقلا أن يخلق خالق بغير قدرة أو إرادة أو علم أو حياة.
الصفة الأولى من صفات المعاني: القدرة
نصّ المتن: ثمّ يجب له تعالى سبع صفات تسمّى صفات المعاني: القدرة، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، يتأتّى بها إيجاد كلّ ممكن وإعدامه على وفق الإرادة.
تحليل التعريف
| العنصر | الشرح |
| صفة قديمة | ليس لها بداية، كسائر صفات الله تعالى |
| قائمة بذاته تعالى | موجودة في الخارج حقيقةً، بخلاف الصفات السلبية الاعتبارية |
| يتأتّى بها (يتيسّر بها) | بواسطتها يحصل الإيجاد والإعدام |
| إيجاد كلّ ممكن | إخراجه من العدم إلى الوجود |
| إعدامه | إخراجه من الوجود إلى العدم |
| على وفق الإرادة | لا يوجِد ولا يُعدِم بقدرته إلّا ما أراد وجوده أو عدمه |
"ثمّ" في المتن: استعملها السنوسي للترتيب الذِّكري لا الزمني. أي: بعد أن ذكرتُ لك الصفة النفسية والسلبية، أذكر لك الآن صفات المعاني. لا يعني أنّ الله اتّصف بها بعد غيرها زمنيّا، فالله لا يجري عليه الزمان.
صفات المعاني: خصائصها العامّة
- كلّها تبدأ بنفس الصيغة: "صفة قديمة قائمة بذاته تعالى".
- كلّها صفات موجودة في الخارج حقيقةً (بخلاف السلبية الذهنية).
- كلّها قديمة ليس لها بداية.
- كلّ صفة معنى تقوم بالذات فتوجب لها حكما (= صفة معنوية).
الممكن والحادث: فرق جوهري
الممكن عند علماء الكلام: كلّ ما حكم العقل باستواء وجوده وعدمه. ويسمّى جائزا عقليّا.
| المفهوم | التعريف | النطاق |
| الممكن (الجائز) | ما يستوي في العقل وجوده وعدمه | أوسع: يشمل المعدوم والموجود |
| الحادث | الموجود بعد العدم | أضيق: لا يشمل إلّا الموجود |
القاعدة: كلّ حادث ممكن، وليس كلّ ممكن حادثا. فدائرة الإمكان أوسع من دائرة الحدوث.
مثال: قطّ له عشر أرجل: ممكن عقلا (لا يستحيل في العقل)، لكنّه ليس حادثا (لا يوجد في الواقع). بطّيخ أسود: ممكن عقلا لكنّه غير موجود. أمّا البطّيخ الأحمر: ممكن وحادث (موجود فعلا).
الصفة الثانية من صفات المعاني: الإرادة
نصّ المتن: الإرادة، وتردفها المشيئة، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، يتأتّى بها تخصيص كلّ ممكن ببعض ما يجوز عليه، على وفق العلم.
تحليل التعريف
| العنصر | الشرح |
| تردفها المشيئة | الإرادة والمشيئة مترادفتان |
| يتأتّى بها تخصيص | إسناد التخصيص إليها مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب، والمخصِّص حقيقةً هو الله تعالى (ذاته) |
| كلّ ممكن | الممكن وحده يقبل التخصيص، لا الواجب ولا المستحيل |
| ببعض ما يجوز عليه | من الأمور المتقابلة (الوجود/العدم، الصفات، المقادير...) |
| على وفق العلم | لا يخصّص بإرادته إلّا ما علمه من الممكنات |
تنبيه مهمّ: الإرادة في حقّ الله معناها التخصيص، وليست بمعنى الميل القلبي أو الرغبة كما هي عند البشر. فقولنا "الله أراد شيئا" معناه "خصّصه".
الترتيب بين الصفات الثلاث
| المرتبة | الصفة | الدور | المتعلَّق |
| ١ | العلم | انكشاف | جميع الأمور (الواجب والجائز والمستحيل) |
| ٢ | الإرادة | تخصيص | الممكنات فقط |
| ٣ | القدرة | إيجاد وإعدام | الممكنات فقط |
تعلّق القدرة فرع عن تعلّق الإرادة (أي تابع له ومتأخّر عنه في التعقّل). وتعلّق الإرادة فرع عن تعلّق العلم.
ملاحظة: عبارات "قبل" و"بعد" و"على وفق" هنا ليست زمنية، لأنّ الله لا يتقيّد بزمان ولا مكان. هي دلالات ترتيبية تعقّلية فقط.
المتقابلات الستّ
ما يجوز على الممكن أمور متقابلة (أي متنافية لا يجتمع واحد منها مع مقابله):
| الرقم | المتقابل | مقابله | المثال |
| ١ | الوجود | العدم | يكون هذا الشيء موجودا أو معدوما |
| ٢ | الصفة المخصوصة | سائر الصفات | البياض ومقابله كالسواد وغيره |
| ٣ | المقدار المخصوص | سائر المقادير | الطول ومقابله من سائر المقادير |
| ٤ | الجهة المخصوصة | سائر الجهات | الشمال ومقابله الجنوب وغيره |
| ٥ | الزمان المخصوص | سائر الأزمنة | عام ٢٠٠٠ ومقابله سائر الأعوام |
| ٦ | المكان المخصوص | سائر الأمكنة | تونس ومقابلها سائر البلدان |
أبيات للحفظ:
الممكناتُ المتقابلاتُ --- وجودُنا والعدمُ الصفاتُ
أزمنةٌ أمكنةٌ جهاتُ --- كذا مقاديرُ ووُثقاتُ
مثال تطبيقي: زيد الذي أوجده الله أبيض طويلا في جهة المشرق زمن طلوع الشمس بمكّة: كان يجوز عقلا أن يبقيه الله معدوما، أو يوجده على مقابل ما وُجِد عليه (أسمر، قصير، في المغرب، في زمن آخر...)، لكنّ إرادة الله خصّصته بما وُجِد عليه.
مفهوم التعلّق
التعريف: التعلّق هو اقتضاء الصفة واستلزامها أمرا زائدا على القيام بالذات.
أنواع التعلّقات
| الصفة | نوع التعلّق | المتعلَّق | البيان |
| القدرة | تعلّق تأثير | الممكنات | إيجاد الممكن أو إعدامه |
| الإرادة | تعلّق تخصيص | الممكنات | تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه |
| العلم | تعلّق انكشاف | جميع الأمور | اتّضاح وتمييز بين الأمور |
| الكلام | تعلّق دلالة | جميع الأمور | كلام الله يدلّ على معلوماته |
القدرة والإرادة: متعلّقهما واحد وهو الممكنات. لكنّ التأثير بالقدرة في إيجاد الممكن أو إعدامه، والتأثير بالإرادة في تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه.
فائدة: قيام القدرة بالذات يقتضي أمرا زائدا (وهو التعلّق بالممكنات إيجادا وإعدامات). وكذلك قيام الإرادة بالذات يقتضي أمرا زائدا (وهو تخصيص الممكنات). وهذه كلّها أمور عقلية لا حسّية.
لماذا لا تتعلّق القدرة والإرادة بالواجبات والمستحيلات؟
شبهة: يقول بعضهم: تخصيص القدرة والإرادة بالممكنات يعني نسبة العجز إلى الله! والجواب: لا عجز ولا قصور، لأنّ العجز إنّما يلزم فيما يمكن أن تتعلّق به القدرة ولم تتعلّق.
أوّلا: القدرة والواجب العقلي
| التعلّق المفترض | الحكم | التعليل |
| إيجاد الواجب | تحصيل حاصل (محال) | الواجب لا يقبل العدم أصلا، فهو موجود بطبيعته. إيجاد الموجود مثل إشعال المصباح المُنار أو إغلاق الباب المغلَق |
| إعدام الواجب | مستحيل | الواجب لا يقبل العدم، فإعدام ما لا يقبل العدم يؤدّي إلى اجتماع النقيضين (الوجود والعدم) |
ثانيا: القدرة والمستحيل العقلي
| التعلّق المفترض | الحكم | التعليل |
| إيجاد المستحيل | مستحيل | المستحيل لا يقبل الوجود. إيجاد ما لا يقبل الوجود يؤدّي إلى اجتماع النقيضين |
| إعدام المستحيل | تحصيل حاصل (محال) | المستحيل معدوم أصلا. إعدام المعدوم مثل إغلاق الباب المغلَق |
مصطلح "تحصيل الحاصل": هو طلب تحقيق أمر محقَّق أصلا، كإشعال المصباح المُنار أو تعبئة القارورة الممتلئة. وهو من المحالات عند علماء الكلام.
الخلاصة: القدرة والإرادة يستحيل أن تؤثّرا في الواجب العقلي (إيجادا وإعداما) وفي المستحيل العقلي (إيجادا وإعداما). فتخصيصهما بالممكنات ليس عجزا، بل هو التحقيق والتدقيق بحسب أقسام الحكم العقلي.
ردّ على بعض الأغبياء من المبتدعة: من قال "لو شاء الله لوضع العالَم في بيضة" أو "لو شاء لاتّخذ شريكا"، فهذا جهل، لأنّ المستحيل لا يمكن أن تتعلّق به القدرة والإرادة، وهذا ليس عجزا بل هو حقيقة الأقسام العقلية.
مسألة الخير والشرّ
قاعدة: الإرادة تخصيص، والله يخصّص كلّ ممكن علِمَه، خيرا كان أو شرّا. فكلّ ممكن علم الله أنّه يكون أو لا يكون فذلك مراده.
- الخير والشرّ كلاهما خلق الله: ﴿ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ فالخير خلقه الله والشرّ خلقه الله.
- الشرّ نسبيّ: بتر ساق مريض يبدو شرّا ظاهريّا، لكنّه خير لإنقاذ حياته. الدواء المرّ شرّ في طعمه لكنّه خير في نتيجته.
- الإرادة لا تعني المحبّة: قولنا "الله أراد الشرّ" معناه خصّصه بالوجود، لا أنّه يحبّه بالمعنى البشري.
- المال قد يكون شرّا: لمن لم يؤدّ زكاته فهو وبال عليه، رغم أنّ الناس يعتبرونه خيرا.
مسألة التحسين والتقبيح العقلي: لا يحقّ للإنسان أن يحكم على أفعال الله بمعايير عقله المحدود. الإنسان يريد إلها على كيفه، والصحيح أن يكون العبد على ما يريده الإله. وهذا ما أدّى ببعض الأوروبيين إلى الإلحاد حين حكموا على الإله بعقولهم.
أسئلة وأجوبة
س١: ما تعريف صفة القدرة؟
صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، يتأتّى بها إيجاد كلّ ممكن وإعدامه على وفق الإرادة.
س٢: ما تعريف صفة الإرادة؟
صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، يتأتّى بها تخصيص كلّ ممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم. وتردفها المشيئة.
س٣: ما الفرق بين الممكن والحادث؟
الممكن: ما يستوي في العقل وجوده وعدمه (يشمل الموجود والمعدوم). الحادث: الموجود بعد العدم. فكلّ حادث ممكن وليس كلّ ممكن حادثا. دائرة الإمكان أوسع من دائرة الحدوث.
س٤: ما معنى الإرادة في حقّ الله؟
معناها التخصيص، وليست بمعنى الميل القلبي أو الرغبة كما هي عند البشر.
س٥: ما الترتيب بين العلم والإرادة والقدرة؟
العلم أعمّ (يتعلّق بكلّ شيء)، ثمّ الإرادة تخصّص (على وفق العلم)، ثمّ القدرة تُوجِد أو تُعدِم (على وفق الإرادة). والترتيب تعقّلي لا زمني.
س٦: ما المتقابلات الستّ التي تخصّصها الإرادة؟
الوجود والعدم، الصفة المخصوصة وسائر الصفات، المقدار المخصوص وسائر المقادير، الجهة المخصوصة وسائر الجهات، الزمان المخصوص وسائر الأزمنة، المكان المخصوص وسائر الأمكنة.
س٧: لماذا لا تتعلّق القدرة بالواجب العقلي؟
لأنّ إيجاده تحصيل حاصل (هو موجود أصلا)، وإعدامه مستحيل (لا يقبل العدم). فلا مجال لتأثير القدرة فيه.
س٨: لماذا لا تتعلّق القدرة بالمستحيل العقلي؟
لأنّ إيجاده مستحيل (لا يقبل الوجود)، وإعدامه تحصيل حاصل (هو معدوم أصلا).
س٩: ما معنى "تحصيل الحاصل"؟
طلب تحقيق أمر متحقّق أصلا، كإغلاق الباب المغلَق أو إشعال المصباح المُنار أو تعبئة القارورة الممتلئة. وهو محال.
س١٠: هل تخصيص القدرة بالممكنات يعني العجز؟
لا. العجز يلزم فيما يمكن أن تتعلّق به القدرة ولم تتعلّق. أمّا الواجبات والمستحيلات فلا يمكن أصلا أن تتعلّق بهما القدرة لذاتهما، فلا يلزم من ذلك عجز.
س١١: ما معنى التعلّق عند علماء الكلام؟
اقتضاء الصفة واستلزامها أمرا زائدا على القيام بالذات. كقيام القدرة بالذات يقتضي تعلّقها بالممكنات إيجادا وإعداما.
س١٢: هل الشرّ من خلق الله؟
نعم، الخير والشرّ كلاهما خلق الله. قال تعالى: ﴿ من شرّ ما خلق ﴾. والشرّ نسبيّ: ما يبدو شرّا قد يكون خيرا في حقيقته. والإرادة بمعنى التخصيص لا المحبّة.
س١٣: ما الفرق بين تعلّق القدرة وتعلّق الإرادة؟
القدرة تعلّق تأثير (إيجاد وإعدام). الإرادة تعلّق تخصيص (تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه). وكلاهما يتعلّقان بالممكنات فقط.
س١٤: ما معنى "على وفق الإرادة" في تعريف القدرة؟
أنّ إيجاد الله للممكن وإعدامه يكون على وفق تعلّق إرادته به، فلا يوجِد ولا يُعدِم إلّا ما أراد وجوده أو عدمه.
س١٥: لماذا العلم أعمّ من القدرة والإرادة في التعلّق؟
لأنّ العلم يتعلّق بجميع الأمور: الواجب والجائز والمستحيل. أمّا القدرة والإرادة فتتعلّقان بالممكنات (الجائزات) فقط.