الدرس الحادي عشر (١١)

صفة الكلام - الكلام القديم والكتب السماوية - القرآن بين الحدوث والقدم - التنبيهات المهمة

السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى

مراجعة ما سبق

درسنا ست صفات من صفات المعاني السبع: القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر. ولم يبق إلا صفة الكلام وهي الصفة السابعة والأخيرة.

سبب تسمية هذا العلم بعلم الكلام

من أسباب تسمية علم العقيدة بعلم الكلام:
  1. كون الفرق الإسلامية اختلفت في صفة كلام الله تعالى: هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ بصوت أم بغير صوت؟ قديم أم حادث؟
  2. كون العلماء القدماء كانوا يقومون بمناظرات، فإذا غلب أحدهم الآخر قال الحاضرون: "هذا هو الكلام"
  3. كون الكتب القديمة كانت تعنون أبوابها بـ"الكلام في القدرة"، "الكلام في الوجود"...

أولا: تعريف صفة الكلام (السابعة من صفات المعاني)

والكلامُ وهو صفةٌ قديمةٌ قائمةٌ بذاتِه تعالى ليستْ بحرفٍ ولا صوتٍ ولا تقديمٍ ولا تأخيرٍ ولا إعرابٍ ولا لحنٍ وسائرِ صفاتِ كلامِنا، دالَّةٌ على جميعِ الأمورِ

تعريفها

صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، دالة على جميع الأمور.

ثانيا: ما يُنفى عن الكلام القديم

ما يُنفىالمعنى
ليس بحرفالحرف أخص من الصوت
ليس بصوتنفي الأعم بعد نفي الأخص لتمام النفي
ليس فيه تقديم ولا تأخيرلا ترتيب زمني
ليس فيه إعرابلا تغيير لأواخر الكلم
ليس فيه لحنلا خطأ في النطق
لا يقبل العدم ولا السكوتلأنه صفة قديمة، وكل ما ثبت قدمه استحال عدمه
فائدة لغوية: لماذا لم يكتف الشيخ بنفي الصوت فقط؟ لأن الحرف أخص من الصوت (فالأصوات فيها حروف وفيها غير حروف)، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فذكر العام بعده ليتم النفي.
قاعدة مهمة: صفات المعاني السبع كلها ليس لها بداية وليس لها نهاية. فلا يقال إن الله سكت أو إن كلامه انتهى، لأن هذا يقتضي عدم الصفة القديمة وهو مستحيل.

ثالثا: العلاقة بين الكتب السماوية والكلام القديم

الكتب السماوية ليست من الكلام القديم لأنها ألفاظ مركبة من حروف وأصوات وهي حادثة.

ما العلاقة بين القرآن وكلام الله القديم؟

مدلول الكتب السماوية (أي المعاني التي دلت عليها ألفاظها) هو من مدلول الكلام القديم. فإذا سمعت قوله تعالى ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ فهمت منه النهي عن الزنا، ولو أُزيل عنك الحجاب وسمعت الكلام القديم لفهمت منه ذلك المعنى أيضا.

لماذا "بعض" المدلول وليس كله؟

نقطة جوهرية: الكلام القديم دال على ما لا يتناهى من الواجبات والجائزات والمستحيلات، وتلك الألفاظ ترجمة عن بعض مدلوله لا كله. لأن:
  • القرآن الكريم له بداية (الفاتحة) ونهاية (الناس) فهو محدود
  • كلام الله القديم ليس له بداية ولا نهاية فهو غير محدود
  • لو قلنا إن القرآن هو عين كلام الله لزم أن كلام الله انتهى وهذا مستحيل

اختلاف الكتب باختلاف الألسنة

الكتاباللغة
القرآن الكريمالعربية
التوراةالعبرانية
الإنجيل والزبورالسريانية
حفظ القرآن: القرآن هو المعجزة الخالدة للنبي صلى الله عليه وسلم، محفوظ بحفظ الله ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، متواتر الأسانيد إلى يومنا هذا، يحفظه حتى غير العرب في الهند وتركيا وإندونيسيا وأوزبكستان وغيرها.

رابعا: التنبيه الأول - تسمية الكتب السماوية بكلام الله

كما يُسمّى الكلام القديم بكلام الله، تُسمّى الكتب السماوية أيضا بكلام الله، وذلك لسببين:
السببالتوضيح
لأنها دالة على بعض مدلولهكما يقال للكلام المترجم به عن كلام السلطان: "هذا كلام السلطان"
لأن الله تعالى خلق تلك الألفاظ وأنزلهافهي كلام الله بمعنى أنها مخلوقة لله وليست من تأليف الخلق
معنى "ترجمة" هنا: ليس المقصود الترجمة اللغوية، بل المقصود الدلالة، أي أن تلك الألفاظ تدل على بعض مدلول الكلام القديم.

خامسا: التنبيه الثاني - حكم القول بخلق القرآن

لا يجوز أن يقال: "كلام الله مخلوق أو حادث" ويُقصد به ألفاظ الكتب السماوية، لئلا يُتوهم من ذلك حدوث الكلام القديم (الصفة القائمة بذاته تعالى).
ولا يجوز أن يقال: "القرآن مخلوق أو حادث"، لأن لفظ القرآن يُطلق على:
  1. اللغة المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم بالإعجاز (الألفاظ في المصحف)
  2. صفة الكلام القائمة بذات الله تعالى
فربما يُتوهم من إطلاق أن القرآن مخلوق حدوث الصفة القائمة بذاته تعالى.
الاستثناء: يجوز قول ذلك في مقام التعليم فقط، حيث يُبيَّن أن الألفاظ المسموعة المكتوبة في المصحف (التي فيها حروف وأصوات وتقديم وتأخير) حادثة بلا شك، مع التفريق بين هذا وبين صفة الكلام القديمة.
الخلاف التاريخي: الخلاف الذي حصل في زمن الإمام أحمد بن حنبل حول "خلق القرآن" دخلت فيه أمور سياسية، حيث تبنى الخليفة المعتصم مذهب المعتزلة، وحصلت أحداث تاريخية معروفة بالمحنة.

سادسا: الكلام النفسي عند الأشاعرة

الأشاعرة قالوا بأن لله سبحانه وتعالى كلاما نفسيا: ليس بصوت ولا بحرف ولا بلغة ولا فيه تقديم ولا تأخير.

دليل وجود الكلام النفسي عند البشر

القياس: فكون الكلام بلا صوت ولا حرف معقول حتى من المخلوقات (الكلام النفسي)، فكيف لا يُعقل في حق الخالق سبحانه وتعالى؟

سابعا: تعلق صفة الكلام

الكلام يتعلق بما يتعلق به العلم: الواجبات والجائزات والمستحيلات، فالكلام مساوٍ للعلم في المتعلَّق، لكنه مخالف له في نوع التعلق.
الصفةالمتعلَّقنوع التعلق
العلمجميع الأمورتعلق انكشاف
الكلامجميع الأمورتعلق دلالة
كلامه تبارك وتعالى دال أزلا وأبدا على جميع معلوماته التي لا نهاية لها.

أسئلة المراجعة

١. عرّف صفة الكلام. صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت ولا تقديم ولا تأخير ولا إعراب ولا لحن وسائر صفات كلامنا، دالة على جميع الأمور.
٢. لماذا لم يكتف الشيخ المرغني بنفي الصوت فقط عن كلام الله؟ لأن الحرف أخص من الصوت، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم. فنفى الحرف أولا ثم نفى الصوت ليتم النفي تماما.
٣. اذكر ثلاثة من أسباب تسمية علم العقيدة بعلم الكلام. (1) اختلاف الفرق في صفة كلام الله تعالى. (2) المناظرات التي كان يقوم بها العلماء فإذا غلب أحدهم قال الحاضرون "هذا هو الكلام". (3) عنونة الكتب القديمة أبوابها بالكلام في كذا.
٤. لماذا لا تكون الكتب السماوية من الكلام القديم؟ لأنها ألفاظ مركبة من حروف وأصوات وفيها تقديم وتأخير ولغة وإعراب، وكل ذلك من صفات الحوادث، والكلام القديم منزه عن ذلك كله.
٥. ما العلاقة بين القرآن الكريم وكلام الله القديم؟ ما يُفهم من آيات القرآن (مدلولها) هو بعض مدلول الكلام القديم. فلو كُشف الحجاب وسُمع الكلام القديم لفُهم منه نفس المعنى الذي يُفهم من الآيات.
٦. لماذا يدل القرآن على "بعض" مدلول الكلام القديم وليس كله؟ لأن القرآن محدود (له بداية بالفاتحة ونهاية بسورة الناس)، والكلام القديم غير محدود (لا بداية له ولا نهاية). فلو قلنا إنه عين كلام الله لزم أن كلام الله انتهى وهذا مستحيل.
٧. لماذا لا يجوز إطلاق القول بأن "كلام الله مخلوق"؟ لئلا يُتوهم من ذلك حدوث الكلام القديم الذي هو صفة قائمة بذات الله تعالى، وهي صفة قديمة يستحيل عليها العدم.
٨. لماذا لا يجوز إطلاق القول بأن "القرآن مخلوق"؟ لأن لفظ القرآن يُطلق على الألفاظ المنزلة في المصحف وعلى صفة الكلام القائمة بذاته تعالى، فربما يُتوهم حدوث الصفة القائمة بذاته.
٩. متى يجوز القول بحدوث ألفاظ القرآن؟ في مقام التعليم فقط، حيث يُبيَّن أن الألفاظ المكتوبة في المصحف حادثة لأن فيها حروفا وأصواتا وتقديما وتأخيرا، مع التفريق بينها وبين الصفة القديمة.
١٠. ما هو الكلام النفسي؟ وما دليله من كلام العرب؟ هو كلام يقوم بالنفس دون صوت ولا حرف ولا لغة. ومن أدلته: قول عمر رضي الله عنه "كنت قد زوّرت في نفسي كلاما"، وقول الأخطل: "إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعل اللسان على الفؤاد دليلا".
١١. ما الفرق بين تعلق الكلام وتعلق العلم؟ كلاهما يتعلق بجميع الأمور (الواجبات والجائزات والمستحيلات)، لكن تعلق العلم تعلق انكشاف واتضاح، وتعلق الكلام تعلق دلالة.
١٢. لماذا يستحيل أن يسكت الله سبحانه وتعالى؟ لأن الكلام صفة قديمة، والقاعدة أن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه. والسكوت يقتضي عدم الكلام وهو مستحيل في حق صفة قديمة.
١٣. ما الفرق بين ترجمة معاني القرآن وترجمة القرآن نفسه؟ ترجمة معاني القرآن جائزة (كترجمة المعاني بالفرنسية أو الإنجليزية)، أما ترجمة القرآن نفسه فلا تجوز لأن الله أنزله بالعربية وفيه إعجاز بلاغي لا يمكن نقله.
١٤. كم عدد الكتب السماوية؟ وما أشهرها؟ قيل إنها 104 كتاب وصحيفة، منها الكتب الأربعة المشهورة: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور. والبقية صحف كصحف إبراهيم وموسى وآدم وشيث بن آدم عليهم السلام.
١٥. لماذا أورد الشيخ آية ﴿أنزله بعلمه﴾ بعد الاستدلال العقلي؟ ليأتي بدليل نقلي سمعي من القرآن الكريم على اتصاف الله بصفات المعاني، وليثبت أن العلم صفة زائدة على الذات ردا على من أنكر زيادة الصفات على الذات.