الدرس الثاني عشر (١٢)
الصفات المعنوية السبع - مفهوم الحال - الخلاف بين المتكلمين - العلاقة بين الذات والصفات
السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى
مراجعة شاملة لما سبق
درسنا من بداية السنة في باب الإلهيات: الصفة النفسية (الوجود)، ثم خمس صفات سلبية (القدم والبقاء ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس والوحدانية)، ثم سبع صفات معاني (القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام). واليوم نشرع في مبحث الصفات المعنوية.
| القسم | العدد | الصفات |
| الصفة النفسية | ١ | الوجود |
| الصفات السلبية | ٥ | القدم، البقاء، مخالفة الحوادث، القيام بالنفس، الوحدانية |
| صفات المعاني | ٧ | القدرة، الإرادة، العلم، الحياة، السمع، البصر، الكلام |
| الصفات المعنوية | ٧ | كونه قادرا، مريدا، عالما، حيا، سميعا، بصيرا، متكلما |
أولا: تقسيم الصفات الواجبة
ثم يجبُ له تعالى سبعُ صفاتٍ وهي تمامُ العشرينَ الواجبةِ له جلَّ وعزَّ
هذه الصفات تسمى: الصفات المعنوية أو الأحوال المعنوية. وسُمِّيت "معنوية" نسبة إلى المعاني (جمع معنى)، لأن الاتصاف بها فرع الاتصاف بصفات المعاني.
نظم الشرنبية: "وسبعةٌ قد لازَمَتْها تُدعى بمعنويةٍ فألقِ سمعا / تكوُّنه حيا مريدا قادرا وفي ثبوتها خلافٌ قد جرى / والحقُّ لاستغناءٍ بالمعاني عنها كمحقَّقٍ ببرهانِ"
ثانيا: الصفات المعنوية السبع (الأكوان)
| الصفة المعنوية (الكون) | صفة المعنى الملازمة لها |
| كونه تعالى قادرا | لازم القدرة القائمة بذاته تعالى |
| كونه تعالى مريدا | لازم الإرادة القائمة بذاته تعالى |
| كونه تعالى عالما | لازم العلم القائم بذاته تعالى |
| كونه تعالى حيا | لازم الحياة القائمة بذاته تعالى |
| كونه تعالى سميعا | لازم السمع القائم بذاته تعالى |
| كونه تعالى بصيرا | لازم البصر القائم بذاته تعالى |
| كونه تعالى متكلما | لازم الكلام القائم بذاته تعالى |
تسمية: تسمى هذه السبع بـ"الأكوان" (جمع كون)، ويُعبَّر عن كل واحدة منها باصطلاح خاص: القادرية، العالمية، وهكذا...
ثالثا: وجه لزوم الأكوان للمعاني
كل صفة من صفات المعاني هي صفة وجودية (لها وجود في الخارج متحقق)، وكل صفة وجودية إذا قامت بموصوف (قديم أو حادث) لزم أن يكتسب منها حالا لا تثبت له عند عدم تلك الصفة.
مثال القدرة
من قامت به القدرة لزم أن يكتسب منها حالا وهي أن يكون قادرا على ما تعلقت به تلك القدرة. ويُعبَّر عن هذه الحال بـ"كونه قادرا" وبـ"القادرية".
مثال العلم (أوضح)
الإنسان عندما يولد لا يعلم شيئا ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾. ثم تقوم به صفة العلم فينتج عن ذلك حالة: وهي تعلق ذهنه بما من شأنه أن يكون معلوما. هذه العملية الذهنية تسمى "كونه عالما".
الفرق بين الصفات السلبية والوجودية
| الصفات السلبية | صفات المعاني (الوجودية) |
| معان ذهنية ليس لها وجود في الخارج | صفات وجودية لها وجود في الخارج حقيقة |
| مثال: القدم = عدم الأولية للوجود | مثال: القدرة والعلم والحياة... |
| تعريفها بالعدم والسلب | يُطلق عليها "صفات وجودية" |
رابعا: مفهوم الحال عند المتكلمين
الحال: أمر بين الموجود والمعدوم، لم يرتق إلى الوجود الكامل ولم ينحط إلى العدم الكامل. هو مفهوم ذهني يقوم بموجود وليس موجودا بالاستقلال ولا معدوما عدما صرفا.
أمثلة توضيحية للأمور الاعتبارية
- الفوقية والتحتية: أنت فوق الأرض باعتبار وتحت السقف باعتبار - ليس لها وجود مطلق في الخارج
- الأبوة والبنوة: لا تُعقل الأبوة بدون بنوة ولا العكس - مفهوم ذهني تضايفي
- القرب والبعد: يختلف باعتبار الناظر
- الزمان عند المتكلمين: اقتران حدث بوقت معين - مفهوم اعتباري ليس محسوسا في الخارج
أنواع الأمور الاعتبارية (من الفلسفة):
- اعتبارية واقعية: ينتزعها العقل من أمور موجودة (كالفوقية المنتزعة من السماء) وهي في حكم الأمور الحقيقية
- موهومة: يختلقها الوهم بلا أصل واقعي
خامسا: الخلاف بين المتكلمين في الصفات المعنوية
المذهب الأول: إثبات الحال (الأكوان صفات زائدة)
ذهب جماعة إلى ثبوت الحال، وقالوا إن الأكوان السبع أحوال قائمة بالذات العلية زائدة على قيام صفات المعاني بها. فتكون صفات الله عشرين صفة.
| من أبرز القائلين بهذا | الوفاة |
| القاضي أبو بكر الباقلاني | 402 أو 403 هـ |
| إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (شيخ الإمام الغزالي) | 478 هـ |
المذهب الثاني: نفي الحال (المحققون)
ذهب الإمام الأشعري والمحققون إلى نفي الحال، وقالوا: إن ثبوتها من المحال. فمدلول الأكوان السبع هو نفس قيام صفات المعاني بالذات العلية، وليست صفات زائدة عليها. فتكون الصفات ثلاث عشرة صفة.
حجتهم: الشيء إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما، فليس هناك شيء اسمه "بين الموجود والمعدوم". وهذا أمر منطقي لا يقبله العقل.
| المذهب | مدلول "كونه قادرا" | عدد الصفات |
| الأول (البقلاني والجويني) | حال قائمة بالذات زائدة على قيام القدرة | ٢٠ صفة |
| الثاني (الأشعري والمحققون) | نفس قيام القدرة بالذات (أمر اعتباري) | ١٣ صفة |
سادسا: موقف الإمام السنوسي
مشى الإمام السنوسي في العقيدة الصغرى (أم البراهين) على المذهب الأول فعد الصفات عشرين. وفي صغرى الصغرى مشى على المذهب الثاني (الأصح) فاقتصر على ثلاث عشرة صفة.
مؤلفات الإمام السنوسي في العقيدة
| المؤلَّف | الوصف |
| العقيدة الكبرى (عقيدة أهل التوحيد) | متن طويل وشرحه في قرابة 700 صفحة |
| العقيدة الوسطى | اختصار الكبرى مع شرح |
| العقيدة الصغرى (أم البراهين) | اختصار الوسطى - وهي المدروسة في هذا المقرر |
| صغرى الصغرى | اختصار الصغرى مع شرح |
| صغرى صغرى الصغرى (الحفيدة) | أقصر المختصرات |
| المقدمات | كتاب مهم في مبادئ العلوم لكل طالب علم |
سابعا: التنبيه المهم - الإجماع على وجوبها
الخلاف إنما هو في مدلول الأكوان (هل هو من باب الأحوال أو من الأمور الاعتبارية)، وأما وجوب تلك الأكوان لله سبحانه فقد أجمعوا عليه كلهم، ومنكرها يكفر كما صرحوا به.
ليس هناك مسلم ينكر أن الله قادر أو عالم أو حي. الخلاف فقط في: هل "كونه قادرا" صفة زائدة على "القدرة" أم هو نفس معنى قيام القدرة بالذات؟ وهذا خلاف دقيق لا يؤدي إلى تبديع أو تفسيق.
كلام الإمام الدسوقي في حاشيته: "فإن قلت: كيف يكون التحقيق نفيَها مع أن منكرها يكفر؟ قلت: الكافر إنما هو نافيها المثبِتُ لضدها، كالنافي لكونه عالما والمثبِت لكونه جاهلا. وأما النافي لأن يكون له صفة قديمة يقال لها الكون عالما، والمثبِتُ لانكشاف الأشياء له أزلا بذاته، لا ضرر في ذلك."
ثامنا: العلاقة بين الذات والصفات (مبحث دقيق)
قال الإمام الأشعري: الصفات "لا هي هو ولا هي غيره"، أي أن الصفات ليست هي الذات وليست غير الذات. وقد اختلف الشراح في فهم هذه العبارة.
موقف المعتزلة
قالت المعتزلة: لا توجد صفات زائدة على الذات، بل الله "قادر بذاته، مريد بذاته، عالم بذاته". وحجتهم: لو أثبتنا صفات قديمة زائدة لكان ذلك إثبات قدماء متعددين، والمجوس كفروا بإثبات قديمين فكيف نثبت ثمانية.
الرد: يلزم من قولهم "قادر بذاته" أن الذات هي القدرة وهي العلم وهي الحياة، فيلزم أن القدرة هي العلم والعلم هو الحياة، وهذا باطل لأنه يلزم اتصاف القدرة بالعلم والعلم بالحياة.
موقف أهل السنة (الأشاعرة)
الصفات زائدة على الذات، لكنها لا تقبل الانفكاك عنها. فالذات شيء والصفة شيء، لكن لا يمكن فصل الصفة عن الذات. وقولنا "القدم" لا يلزم التعدد في واجب الوجود، لأن القديم هو الذات المتصفة بالصفات لا كل صفة على حدة.
قال الإمام الأشعري قبل وفاته: "أشهد أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، وكلهم يشيرون إلى معبود واحد، وإنما اختلافنا في العبارات."
تنبيه: هذا المبحث من أدق مباحث علم الكلام. وتفصيله في المطولات كشرح المواقف والنبراس على شرح العقائد النسفية وحاشية الدسوقي وغيرها.
أسئلة المراجعة
١. ما هي الصفات المعنوية السبع؟
كونه تعالى قادرا، مريدا، عالما، حيا، سميعا، بصيرا، متكلما.
٢. لماذا سُمِّيت هذه الصفات "معنوية"؟
نسبة إلى المعاني (جمع معنى)، لأن الاتصاف بها فرع الاتصاف بصفات المعاني. فنثبت أولا صفات المعاني السبع ثم نثبت المعنوية اللازمة لها.
٣. ما الفرق بين صفات المعاني والصفات المعنوية؟
صفات المعاني هي الصفات الوجودية السبع (القدرة، الإرادة...) التي لها وجود في الخارج. والصفات المعنوية هي الأكوان اللازمة لها (كونه قادرا، كونه مريدا...) وهي إما أحوال أو أمور اعتبارية حسب الخلاف.
٤. ما هو "الحال" عند المتكلمين؟
واسطة بين الموجود والمعدوم، أي أمر لم يبلغ درجة الموجود ولم ينحط إلى درجة المعدوم، وهو مفهوم ذهني يقوم بموجود وليس موجودا بالاستقلال.
٥. ما هو المذهب الأول في الصفات المعنوية ومن أبرز القائلين به؟
ثبوت الحال واعتبار الأكوان السبع صفات زائدة على صفات المعاني (فتكون الصفات عشرين). ومن أبرز القائلين به: القاضي أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ) وإمام الحرمين الجويني (ت 478هـ).
٦. ما هو المذهب الثاني (مذهب المحققين) في الصفات المعنوية؟
نفي الحال، والقول بأن مدلول الأكوان السبع هو نفس قيام صفات المعاني بالذات العلية لا صفات زائدة. وعليه تكون الصفات ثلاث عشرة. وهو مذهب الإمام الأشعري وجمهور المحققين.
٧. ما حجة من نفى الحال؟
أن الحال من المحال، لأن الشيء إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما، وليس هناك أمر بين الموجود والمعدوم.
٨. كيف وفّق الإمام السنوسي بين المذهبين في مؤلفاته؟
في العقيدة الصغرى (أم البراهين) مشى على المذهب الأول فعدّ الصفات عشرين. وفي صغرى الصغرى مشى على المذهب الثاني (الأصح) فاقتصر على ثلاث عشرة صفة.
٩. هل الخلاف في الصفات المعنوية يؤدي إلى تبديع أو تكفير؟
لا، هو خلاف في مدلول الأكوان (هل هي أحوال أو أمور اعتبارية)، وليس في وجوبها. وأما وجوب تلك الأكوان لله فقد أجمعوا عليه كلهم، ومنكرها يكفر.
١٠. ما معنى قول الدسوقي: "الكافر إنما هو نافيها المثبت لضدها"؟
أي أن الكافر هو من نفى كون الله عالما وأثبت كونه جاهلا مثلا. أما من نفى أن تكون صفة قديمة اسمها "كونه عالما" لكنه أثبت انكشاف الأشياء لله أزلا بذاته، فلا ضرر في ذلك.
١١. ما الفرق بين الصفات السلبية وصفات المعاني من حيث الوجود؟
الصفات السلبية معان ذهنية اعتبارية ليس لها وجود في الخارج (كالقدم = عدم الأولية)، أما صفات المعاني فهي صفات وجودية لها وجود حقيقي في الخارج.
١٢. ما موقف المعتزلة من العلاقة بين الذات والصفات؟ وما الرد عليهم؟
قالت المعتزلة: لا صفات زائدة على الذات بل "قادر بذاته عالم بذاته". يلزم من قولهم أن الذات هي القدرة وهي العلم وهي الحياة، فيلزم أن القدرة هي العلم والعلم هو الحياة، وهذا باطل.
١٣. ما معنى قول الإمام الأشعري: "الصفات لا هي هو ولا هي غيره"؟
أي أن الصفات ليست هي عين الذات (فلا نقول العلم هو الذات)، وليست هي غير الذات بمعنى المنفصل عنها (فلا تقبل الانفكاك عن الذات). وفهم هذه العبارة من أدق المباحث.
١٤. اذكر بعض المراجع المتقدمة في مبحث العلاقة بين الذات والصفات.
شرح المواقف، والنبراس على شرح العقائد النسفية للإمام الفرهاري، وحاشية الدسوقي على أم البراهين، وكتب الإمام السنوسي الكبرى والوسطى.
١٥. ما أهمية كتاب "المقدمات" للإمام السنوسي؟
هو كتاب مهم لكل طالب علم يحتاجه في أي تخصص (فقه، نحو، أصول، حديث...). يشرح مفهوم الشرط والمانع والسبب والصفة وعلاقة الأسباب بالمسببات والواجب العقلي والجائز العقلي والممكن العقلي وغيرها من المبادئ الأساسية.