الدرس الثالث عشر (١٣) — عقيدة السداسي ١
المستحيلات في حق الله تعالى: تعريف الضد لغة واصطلاحا — أضداد الصفات النفسية والسلبية — مماثلة الحوادث بصورها العشر — التعامل مع الآيات المتشابهة
السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى
أولا: مدخل باب المستحيلات في حق الله تعالى
ومما يستحيل في حقه تعالى عشرون صفة وهي أضداد العشرين الأولى التي وجبت له
التذكير بأقسام الإلهيات: باب الإلهيات ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الواجبات (وقد تمت دراستها) ثم المستحيلات (وهي موضوع هذا الدرس) ثم الجائزات (وهي إيجاد كل ممكن وإعدامه).
- الصفات الواجبة عشرون، يقابلها عشرون صفة مستحيلة هي أضدادها
- المستحيل العقلي: ما لا يتصور في العقل وجوده، أي ما لا يقبل الوجود
- «في» في قوله «مما يستحيل في حقه تعالى» بمعنى على، وحق بمعنى الذات، فيصبح المعنى: مما يستحيل على ذاته تعالى
ثانيا: مفهوم الضد لغة واصطلاحا
| المفهوم | التعريف | الشمول |
| الضد لغة | مطلق المنافي لغيره | يشمل الأمور الوجودية والعدمية معا |
| الضد اصطلاحا | الأمر الوجودي الذي يقابل أمرا وجوديا آخر ولا يمكن اجتماعهما معه وقد يرتفعان | الأمور الوجودية فقط |
لماذا اختار الإمام السنوسي المعنى اللغوي؟ لأن بعض الصفات المستحيلة أمور عدمية (كالعدم مثلا)، والضد بالمعنى الاصطلاحي لا يشمل إلا الأمور الوجودية، فالمعنى اللغوي أعم وأشمل.
الفرق بين الضدين والنقيضين
| العلاقة | الاجتماع | الارتفاع | المثال |
| الضدان | لا يجتمعان | قد يرتفعان | البياض والسواد (قد يكون الشيء أحمر) |
| النقيضان | لا يجتمعان | لا يرتفعان | الحركة والسكون (الجسم إما متحرك أو ساكن) |
ثالثا: أضداد الصفة النفسية والصفات السلبية
| الصفة الواجبة | ضدها المستحيل | الشرح |
| الوجود (نفسية) | العدم | وجود الله واجب ذاتي، فعدمه مستحيل |
| القدم (سلبية) | الحدوث | الله ليس له بداية، فكونه حادثا مستحيل |
| البقاء (سلبية) | طروء العدم (الفناء) | الله باق بلا نهاية، فالفناء مستحيل عليه |
| المخالفة للحوادث (سلبية) | مماثلة الحوادث | الله لا يشبه شيئا من المخلوقات بأي وجه |
طروء العدم يعني: أن يلحق الوجود العدم بعد أن لم يكن، وهذا هو الفناء، وهو مستحيل في حق الله تعالى.
رابعا: صور مماثلة الحوادث العشر
المماثلة للحوادث هي ضد المخالفة للحوادث، وقد فصّلها الإمام السنوسي في عشر صور
| # | الصورة | الشرح |
| ١ | أن يكون جرما (جسما) | أي تأخذ ذاته العلية قدرا من الفراغ، وهذا يستلزم التركيب والحدوث |
| ٢ | أن يكون عرضا | أي يقوم بجرم، والعرض لا يكون إلا حادثا |
| ٣ | أن يكون في جهة لجرم | ليس فوق جرم كالعرش ولا تحته ولا أمامه ولا خلفه ولا عن يمينه ولا شماله |
| ٤ | أن يكون له هو جهة | ليس له فوق ولا تحت ولا أمام ولا خلف ولا يمين ولا شمال |
| ٥ | أن يتقيد بمكان | لا يتحقق وجوده إلا فيه، والمكان حادث فلا يتقيد به إلا حادث |
| ٦ | أن يتقيد بزمان | الزمان حادث، والله قديم وجوده متحقق قبل الزمان |
تنبيه: يجوز أن يقال: الله موجود قبل المكان والزمان ومعهما وبعدهما. لكن لا يقال: الله في مكان أو زمان، لئلا يوهم تقييده بهما. ويؤخذ من استحالة التقيد بالزمان استحالة وصفه بطول العمر أو قصره.
الفرق بين الصفة والعرض
| الصفة | العرض |
| قد تكون حادثة (إذا كانت لحادث) أو قديمة (إذا كانت لقديم) | لا يكون إلا حادثا |
| تستعمل في حق الله وحق المخلوق | لا يستعمل في حق الله تعالى |
| أعم من العرض | ما قام بغيره من الصفات الحادثة (أخص من مطلق الصفة) |
خامسا: منهج التعامل مع الآيات المتشابهة
القاعدة الأساسية: مصادر استنباط العقيدة: أولا العقل، ثانيا النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة. الحديث الضعيف وحديث الآحاد لا يُحتج بهما في العقائد.
مسلكا أهل السنة في المتشابهات
| المسلك | المنهج | المثال |
| التفويض | إثبات اللفظ مع تنزيه الله إجمالا، وتفويض العلم بالمراد إلى الله تعالى | «الرحمن على العرش استوى»: نثبت الاستواء ونقول الله أعلم بمراده |
| التأويل | التنزيه الإجمالي أولا، ثم صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يليق بالله تعالى | «يد الله فوق أيديهم»: اليد بمعنى القدرة أو النعمة |
الخطوة المشتركة: كلا المسلكين يتفقان في الخطوة الأولى وهي التنزيه الإجمالي: الله سبحانه وتعالى منزه عن ظاهر هذه النصوص الذي يوهم التشبيه.
تحذير: حمل النصوص المتشابهة على ظاهرها الحسي يوقع في التشبيه والتجسيم، وهو مخالف للمحكمات مثل: «ليس كمثله شيء» و«ولم يكن له كفوا أحد».
مثال: حديث النزول
- فيه رواية: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل»
- وفيه رواية أخرى: «ينزل ربنا ملَكا» (أي ينزل الله ملَكا من ملائكته)
- النزول في اللغة العربية يعني التحول من مكان مرتفع إلى مكان منخفض، وهذا لا يليق بالله تعالى
- إشكال الثلث الأخير: يختلف من بلد لآخر، فكيف يكون نزولا حقيقيا مستمرا؟
أسئلة المراجعة
س١: ما هو المستحيل العقلي؟
المستحيل العقلي هو ما لا يتصور في العقل وجوده، أي ما لا يقبل الوجود أصلا.
س٢: كم عدد الصفات المستحيلة في حق الله تعالى؟
عشرون صفة مستحيلة، وهي أضداد العشرين صفة الواجبة.
س٣: ما الفرق بين الضد لغة والضد اصطلاحا؟
الضد لغة هو مطلق المنافي لغيره سواء كان وجوديا أو عدميا. أما الضد اصطلاحا فهو الأمر الوجودي الذي يقابل أمرا وجوديا آخر ولا يمكن اجتماعهما وقد يرتفعان. اختار السنوسي المعنى اللغوي لأن بعض الأضداد أمور عدمية.
س٤: ما الفرق بين الضدين والنقيضين؟
الضدان لا يجتمعان وقد يرتفعان (كالبياض والسواد). النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان (كالحركة والسكون).
س٥: ما هو ضد صفة الوجود وضد صفة القدم وضد صفة البقاء؟
ضد الوجود هو العدم، وضد القدم هو الحدوث، وضد البقاء هو طروء العدم (الفناء). وكلها مستحيلة في حق الله تعالى.
س٦: لماذا يستحيل أن يكون الله جرما (جسما)؟
لأن الجسم يأخذ قدرا من الفراغ وله أبعاد (طول وعرض وعمق)، وهذا يستلزم التركيب، وكل مركب حادث يحتاج إلى من حدّده بتلك الأبعاد، والله تعالى قديم منزه عن ذلك.
س٧: ما الفرق بين الصفة والعرض؟
الصفة قد تكون قديمة (إذا كانت لقديم) أو حادثة (إذا كانت لحادث)، وتستعمل في حق الله والمخلوق. أما العرض فلا يكون إلا حادثا، ولا يستعمل في حق الله تعالى. العرض هو ما قام بغيره من الصفات الحادثة، فهو أخص من مطلق الصفة.
س٨: لماذا يستحيل تقيد الله تعالى بالمكان والزمان؟
لأن المكان والزمان حادثان مخلوقان، ولا يتقيد بهما إلا الحادث مثلهما. والله تعالى قديم وجوده متحقق قبل المكان والزمان. ويترتب على ذلك استحالة وصفه بطول العمر أو قصره.
س٩: ما هما مسلكا أهل السنة في التعامل مع الآيات المتشابهة؟
مسلك التفويض: إثبات اللفظ مع التنزيه الإجمالي وتفويض المراد إلى الله. ومسلك التأويل: التنزيه الإجمالي ثم صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يليق بالله. وكلاهما يتفقان في الخطوة الأولى وهي التنزيه الإجمالي.
س١٠: ما هي مصادر استنباط العقيدة عند أهل السنة؟
أولا: العقل. ثانيا: النصوص القطعية الثبوت والقطعية الدلالة. فلا يحتج في العقائد بالحديث الضعيف ولا بحديث الآحاد، ولا بالآيات المتشابهة دون ردها إلى المحكمات.
س١١: كيف نردّ المتشابه إلى المحكم؟
إذا وجد الإنسان آية متشابهة يرجع إلى المحكمات مثل: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، و«ولم يكن له كفوا أحد». فيُنزّه الله أولا ثم يفوّض أو يؤوّل.
س١٢: لماذا لا يصح حمل حديث النزول على ظاهره الحسي؟
لأن النزول في العربية يعني التحول من مكان مرتفع إلى مكان منخفض وهذا يستلزم الجسمية والمكان، وكلاهما مستحيل على الله. كما أن الثلث الأخير من الليل يختلف من بلد لآخر فيلزم منه النزول الدائم، وهذا محال. وفيه رواية «ينزل ربنا ملَكا» تحل الإشكال.