الدرس الخامس عشر (١٥) — عقيدة السداسي ١
خلق أفعال العباد — الأفعال الاضطرارية والاختيارية — نظرية الكسب عند الأشاعرة — مذهب الجبرية والمعتزلة — مقارنة بين المذاهب
السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى
أولا: أقسام أفعال العباد
| القسم | التعريف | المثال | الحكم |
| الأفعال الاضطرارية | التي يخلقها الله للحي ولا يكون للإنسان فيها اختيار ولا قدرة | حركة الارتعاش، التنفس أثناء النوم، حركة الدم في الأوعية، الجوع، الخوف، النمو | لا خلاف أن خالقها هو الله عز وجل، وقد أسقط التكليف عن المضطر فيها |
| الأفعال الاختيارية | التي يخلقها الله في الحي ويكون له فيها اختيار | القيام، القعود، المشي، فتح الكتاب، رفع القلم | هنا يحصل الخلاف بين الفرق الإسلامية |
ثانيا: مذاهب الفرق في الأفعال الاختيارية
| الفرقة | المذهب | التشبيه | الحكم عليه |
| الجبرية | الإنسان مجبور في جميع أفعاله ولا اختيار له | الإنسان كالريشة في مهب الريح، أو كالدمية في يد المحرك | باطل، لأنه يُبطل مبدأ التكليف والحساب |
| المعتزلة (القدرية) | الإنسان يخلق أفعال نفسه بقوة أودعها الله فيه | الإنسان خالق مستقل لأفعاله | مردود، لأنه يتنافى مع «والله خلقكم وما تعملون» و«خالق كل شيء» |
| أهل السنة (الأشاعرة) | الإنسان له الكسب، والله هو الخالق للأفعال | الإنسان مجبور في صورة مختار، كالقلم في يد الكاتب | هو الحق الذي يجب اعتقاده |
تنبيه: المعتزلة الأوائل كانوا يتحاشون لفظ «الخالق» ويقولون «الموجد» أو «المخترع»، ثم لما رأى الجبائي وأتباعه أن معنى الكل واحد تجاسروا على إطلاق لفظ «الخالق» على العبد.
ثالثا: نظرية الكسب عند أهل السنة
الكسب هو تعلق القدرة الحادثة بالفعل الاختياري، أي ارتباطه واقترانه به من غير أن يكون لها فيه تأثير
حقيقة الكسب
- الكسب أمر اعتباري (في الذهن لا في الخارج)
- الله يخلق في الإنسان قدرة حادثة تقترن بالفعل الاختياري
- هذه القدرة الحادثة لا تؤثر في الفعل، بل الله هو الخالق للفعل
- الاقتران بين القدرة الحادثة والفعل هو المسمى بالكسب
الفعل الاختياري ينسب من جهتين
| الجهة | النسبة | التشبيه |
| جهة الخلق | ينسب لله تعالى خلقا وإيجادا | كالدار المستأجرة: تنسب لمالكها بجهة الملك ولمستأجرها بجهة الانتفاع |
| جهة الكسب | ينسب للإنسان كسبا واختيارا |
القدرة الحادثة لا تؤثر: لأن الصفة قد تتعلق بشيء ولا تؤثر فيه، كالعلم فإنه من الصفات المتعلقة بالأشياء ولا تأثير له فيما يتعلق به.
دليل أهل السنة على أن العبد لا يخلق أفعاله
- الدليل العقلي: لو كان العبد خالقا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها، والمشي مثلا يشتمل على سكنات متخللة وحركات بعضها أسرع من بعض، ولا شعور للماشي بذلك
- الدليل النقلي: «والله خلقكم وما تعملون»، «خالق كل شيء»، «فمن يخلق كمن لا يخلق»
رابعا: مراحل الفعل الاختياري
الترتيب الذهني (لا الزمني) لمراحل الفعل الاختياري:
- الخاطر: فكرة تخطر ببال العبد (يخطره الله ببال العبد)
- الاختيار والميل: يميل العبد إلى هذا الفعل دون غيره ويختاره
- العزم: حزم في القلب على القيام بالفعل
- خلق القدرة: الله يخلق في أعضاء العبد قدرة حادثة
- الفعل: يقع الفعل بخلق الله مع اقتران القدرة الحادثة به
محل الحساب: الإنسان يحاسب على قصده وكسبه: «لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت». فإن قصد خيرا فله حسنات، وإن قصد شرا فعليه سيئات.
خامسا: مذهب الماتريدية في الأفعال الاختيارية
ذهبت الماتريدية إلى القول بصراحية إرادة الإنسان للأفعال المتقابلة عبر مفهوم الإرادة الجزئية.
- الله تعالى له الإرادة المطلقة، وجعل في الإنسان إرادة جزئية
- الله يخلق في الإنسان القدرة والإرادة، لكن الإنسان هو الذي يوجه هذه الإرادة (إلى رفع الكأس أو وضعه مثلا)
- الفعل حاصل بالقدرتين: قدرة الله الأزلية وقدرة العبد التي وجهها
- اختار هذا المذهب بعض الأشاعرة القدماء مثل أبي إسحاق الإسفراييني الذي قال إن فعل العبد واقع بمجموع القدرتين
الفرق عن المعتزلة: الماتريدية لا يقولون إن الإنسان يخلق أفعاله وحده، بل يقولون إن إرادته الجزئية مخلوقة لله، وفيها تأثير مخلوق لله سبحانه وتعالى.
سادسا: أدب نسبة الأفعال إلى الله تعالى
- من الأدب أن ينسب العبد الخير إلى الله والشر إلى نفسه، وإن كان الكل مخلوقا لله تعالى
- الدليل: قول سيدنا إبراهيم عليه السلام: «وهو الذي يُطعمني ويسقين * وإذا مرضتُ فهو يشفين» — نسب الإطعام والسقيا والشفاء إلى الله، ولم يقل «وهو أمرضني»
- الآية: «قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق» — كل ما هو موجود الله خلقه خيرا أو شرا
أسئلة المراجعة
س١: ما الفرق بين الأفعال الاضطرارية والاختيارية؟
الاضطرارية: يخلقها الله للحي ولا اختيار للإنسان فيها (كالارتعاش والنمو). الاختيارية: يخلقها الله ويكون للإنسان فيها اختيار (كالقيام والمشي). الخلاف بين الفرق واقع في الاختيارية فقط.
س٢: ما مذهب الجبرية في أفعال العباد ولماذا هو باطل؟
الجبرية تقول إن الإنسان مجبور في جميع أفعاله كالريشة في مهب الريح. وهو باطل لأنه يبطل مبدأ التكليف والحساب، فإذا لم يكن للإنسان اختيار فلا معنى للأمر والنهي والثواب والعقاب.
س٣: ما مذهب المعتزلة في خلق الأفعال؟
يقولون إن الإنسان يخلق أفعال نفسه بقوة أودعها الله فيه. وهذا مردود بقوله تعالى: «والله خلقكم وما تعملون» و«خالق كل شيء».
س٤: ما هو الكسب عند أهل السنة؟
الكسب هو تعلق القدرة الحادثة بالفعل الاختياري، أي ارتباطه واقترانه به من غير أن يكون لها فيه تأثير. وهو أمر اعتباري (في الذهن لا في الخارج).
س٥: ما معنى أن الإنسان «مجبور في صورة مختار»؟
أي أن الإنسان يشعر في الظاهر بأن له اختيارا، لكن في الحقيقة الله هو الذي خلق فيه الاختيار كما خلق فيه الفعل والقدرة المقارنة. فهو مجبور من حيث الحقيقة ومختار من حيث الظاهر، كالقلم في يد الكاتب.
س٦: ما هي مراحل الفعل الاختياري عند أهل السنة؟
أولا: خاطر يخطر ببال العبد. ثانيا: ميل واختيار لذلك الفعل. ثالثا: عزم في القلب. رابعا: خلق الله القدرة الحادثة في أعضاء العبد. خامسا: وقوع الفعل بخلق الله مع اقتران القدرة الحادثة.
س٧: لماذا لا تؤثر القدرة الحادثة في الفعل عند الأشاعرة؟
لأن الصفة قد تتعلق بشيء ولا تؤثر فيه، كالعلم فإنه يتعلق بالأشياء ولا يؤثر فيها. كون الله يعلم أن فلانا سيفعل كذا لا يعني أنه أجبره. كذلك القدرة الحادثة تقترن بالفعل دون تأثير.
س٨: ما الدليل العقلي على أن العبد لا يخلق أفعاله؟
لو كان العبد خالقا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها. لكن المشي مثلا يشتمل على سكنات متخللة وحركات بعضها أسرع من بعض، ولا شعور للماشي بذلك، بل لو سئل عنها لم يعلم.
س٩: ما هو مذهب الماتريدية في الأفعال الاختيارية؟
الماتريدية يقولون بالإرادة الجزئية: الله يخلق في الإنسان إرادة، والإنسان يوجهها إلى أحد الأمور المتقابلة. فالفعل حاصل بمجموع القدرتين: قدرة الله الأزلية وقدرة العبد الجزئية.
س١٠: كيف ينسب المؤمن الأفعال إلى الله تعالى أدبا؟
ينسب الخير إلى الله والشر إلى نفسه، وإن كان الكل مخلوقا لله. كما قال إبراهيم عليه السلام: «وهو الذي يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين» فنسب الإطعام والشفاء لله ونسب المرض لنفسه.
س١١: هل يصح الاحتجاج بعلم الله لتبرير المعصية؟
لا يصح. فعلم الله بأن العبد سيفعل المعصية لا يعني أنه أجبره عليها. العلم لا يؤثر ولا يجبر. والإنسان اختار المعصية بكسبه فيحاسب على قصده.
س١٢: ما الفرق بين القضاء والمقضي؟
القضاء: ما قضاه الله وأراده منذ الأزل. المقضي: ما وقع في الواقع وما اكتسبه الإنسان. يجب الرضا بالقضاء (أن الله أراد وقوع هذا الشيء)، لكن لا يرضى بالمقضي إن كان معصية، لأن الإنسان يحاسب على كسبه واختياره.