الدرس السادس عشر (١٦) — عقيدة السداسي ١
أضداد صفات المعاني: ضد القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام — التعليل والطبع عند الفلاسفة — أصناف الإرادة والأمر
السنة الثانية رجال ١ | طالع البشرى
أولا: ضد صفة القدرة — العجز
وكذا يستحيل عليه تعالى العجز عن ممكن ما
| الصفة الواجبة | الضد المستحيل | التعريف |
| القدرة | العجز | صفة وجودية قائمة بالعاجز، لا يتأتى معها إيجاد ولا إعدام |
- العجز يتعلق بالممكنات كالقدرة
- «عن ممكن ما»: «ما» نكرة تفيد العموم، أي يستحيل عليه تعالى العجز عن أي ممكن كان
- سواء كان ذاتا أو صفة أو فعلا، لوجوب تعلق قدرته تعالى بجميع الممكنات
ثانيا: ضد صفة الإرادة — ثلاثة أمور
الأمر الأول: الكراهة
يستحيل عليه تعالى أن يوجد شيئا أو يعدمه مع كراهته تعالى لوجوده.
| الكراهة في العقيدة | الكراهة في الفقه |
| عدم الإرادة — تستحيل اجتماعها مع الإيجاد والإعدام | النهي عن الفعل شرعا — يجوز اجتماعها مع الإيجاد |
| مثال: يستحيل أن يقع في ملكه تعالى ما لا يريد | مثال: الله أوجد الكفر (خلقه) مع نهيه عنه شرعا |
فائدة: الله تعالى قد يوجد الفعل مع كراهته الشرعية (نهيه عنه)، كإضلال كثير من الخلق مع نهيه لهم عن الضلال. أما الكراهة بمعنى عدم الإرادة فمستحيلة مع الإيجاد.
الأمر الثاني: الذهول والغفلة
| المفهوم | التعريف |
| الذهول | الغيبة عن الشيء بعد سبق العلم به |
| الغفلة | الغيبة عن الشيء سواء سبق العلم به أم لا |
كلاهما مناف للإرادة، ويستحيل إيجاد شيء مع الذهول أو الغفلة.
الأمر الثالث: التعليل والطبع
يستحيل عليه تعالى إيجاد شيء بالتعليل أو بالطبع (تفصيلهما في القسم التالي).
ثالثا: التعليل والطبع عند الفلاسفة والطبيعيين
| المذهب | أصحابه | التعريف | الشرط والمانع | المثال |
| التعليل | الفلاسفة القدماء | أن ينشأ عن الشيء شيء آخر من غير إرادة واختيار | بلا توقف على وجود شرط أو انتفاء مانع | حركة الأصبع تؤثر في حركة الخاتم بلا اختيار ولا شرط |
| الطبع | الطبيعيون | أن ينشأ عن الشيء شيء آخر بطبيعته (حقيقته وذاته) من غير إرادة | مع التوقف على وجود الشرط وانتفاء المانع | النار تحرق بطبيعتها، لكن بشرط مماستها للحطب وانتفاء المانع (البلل) |
المشترك بينهما: كلاهما يشتركان في عدم الاختيار (نفي الإرادة عن الفاعل).
الفارق: التعليل لا يتوقف على شرط ومانع، والطبع يتوقف عليهما.
حكم أهل السنة: استحال على الله الإيجاد بالتعليل أو بالطبع، لأنهما ينفيان الإرادة والاختيار. والله تعالى فاعل بالإرادة والاختيار. وقد صرّح أهل السنة بتكفير القائلين بالتعليل والطبع لأن قولهم يؤدي إلى نفي الإرادة عن الله تعالى وإلى القول بقدم العالم.
تنبيه مصطلحي: وقع في كلام أهل السنة التعبير بلفظ «التعليل»، لكن مرادهم به التلازم بين أمرين عقلا أو شرعا أو عادة، وليس التعليل الذي قالت به الفلاسفة (نفي الاختيار). فلا يُغتر باشتراك الألفاظ مع اختلاف الحقائق.
رابعا: أصناف الإرادة والأمر الإلهي
| القسم | الإرادة | الأمر | المثال |
| يريد ولا يأمر | نعم (تخصيص) | لا | كفر أبي جهل: الله أراده (خصصه بالوقوع) لكن لم يأمر بالكفر |
| يأمر ولا يريد | لا (لم يخصصه بالوقوع) | نعم | إيمان أبي جهل: الله أمره بالإيمان لكن لم يرد وقوعه (لم يخصصه) |
| يريد ويأمر | نعم | نعم | إيمان أبي بكر: الله أراد إيمانه وأمره به |
| لا يريد ولا يأمر | لا | لا | كفر أبي بكر: الله لم يخصصه بالوقوع ولم يأمر به |
تنبيه: الإرادة هنا بمعنى التخصيص (أي تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه)، وليست بمعنى المحبة. فقولنا «الله أراد كفر أبي جهل» يعني خصصه بالوقوع، لا أنه يحب الكفر.
خامسا: ضد صفة العلم — الجهل وما في معناه
وكذا يستحيل عليه تعالى الجهل بقسميه البسيط والمركب
| النوع | التعريف | إمكانية العلاج |
| الجهل البسيط | عدم العلم بالشيء | قابل للعلاج بالتعلم |
| الجهل المركب | اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع | صعب العلاج جدا لأن صاحبه يظن أنه على صواب |
سمي مركبا: لاستلزامه لجهلين: جهل بالشيء (عدم إدراكه)، وجهل بأنه جاهل (يظن نفسه عالما).
ما يشارك الجهل في منافاته للعلم
| المفهوم | التعريف | المقدار على سلم المعرفة |
| الوهم | إدراك الطرف المرجوح | من ١٪ إلى ٤٩٪ |
| الشك | تساوي الطرفين | ٥٠٪ |
| الظن | إدراك الطرف الراجح | من ٥١٪ إلى ٩٩٪ |
| العلم (اليقين) | الإدراك الجازم المطابق للواقع | ١٠٠٪ |
فائدة: المطلوب في العقيدة هو العلم (اليقين ١٠٠٪)، أما الفقه فمبني على غلبة الظن. ويستحيل على الله تعالى الظن والشك والوهم والنسيان والنوم: «لا تأخذه سنة ولا نوم».
سادسا: أضداد الحياة والسمع والبصر والكلام
| الصفة الواجبة | الضد المستحيل | التعريف عند أهل السنة |
| الحياة | الموت | صفة وجودية قائمة بالميت تمنع اتصافه بالإدراك |
| السمع | الصمم | صفة وجودية تمنع من السمع |
| البصر | العمى | صفة وجودية تمنع من الإبصار |
| الكلام | البكم (الخرس) | صفة وجودية تمنع من الكلام |
تفصيل في ضد السمع والبصر
منافاة سمع الله وبصره القديمين لما يضادهما من جهتين:
- الجهة الأولى: وجود الصمم أو العمى بالمعنى المتقدم (صفة وجودية مانعة) — ومنافاتها ظاهرة
- الجهة الثانية: غيبة بعض الموجودات عن سمعه وبصره القديمين — وهذا مستحيل لوجوب تعلق سمعه وبصره بجميع الموجودات
تفصيل في ضد الكلام
- البكم بالمعنى المعروف يضاد كلام الحوادث (الكلام اللفظي)
- أما كلام الله تعالى فهو نفسي (ليس بصوت ولا حرف ولا لغة)، فالذي يضاده: البكم النفسي (ترك الكلام النفسي عجزا)، وأيضا كون الكلام بالحروف والأصوات
أضداد صفات المعنوية: لما كانت المعنوية (كونه قادرا، مريدا...) لازمة لصفات المعاني (القدرة، الإرادة...)، فإن من علم ضد القدرة (العجز) علم أن ضد كونه قادرا هو كونه عاجزا، وهكذا في سائر الصفات.
أسئلة المراجعة
س١: ما هو العجز وما تعلقه؟
العجز صفة وجودية قائمة بالعاجز لا يتأتى معها إيجاد ولا إعدام. ويتعلق بالممكنات كالقدرة. ويستحيل على الله العجز عن أي ممكن كان.
س٢: ما هي الأمور الثلاثة التي تضاد صفة الإرادة؟
الأول: الكراهة (عدم الإرادة). الثاني: الذهول والغفلة. الثالث: الإيجاد بالتعليل أو بالطبع.
س٣: ما الفرق بين الكراهة في العقيدة والكراهة في الفقه؟
الكراهة في العقيدة: عدم الإرادة، وتستحيل اجتماعها مع الإيجاد. الكراهة في الفقه: النهي عن الفعل شرعا، ويجوز اجتماعها مع الإيجاد (كخلق الكفر مع النهي عنه).
س٤: ما الفرق بين الذهول والغفلة؟
الذهول: الغيبة عن الشيء بعد سبق العلم به. الغفلة: الغيبة عن الشيء سواء سبق العلم به أم لا. وكلاهما مستحيل على الله تعالى.
س٥: ما هو التعليل عند الفلاسفة ولماذا هو باطل؟
التعليل: أن ينشأ عن الشيء شيء آخر من غير إرادة واختيار وبلا توقف على شرط أو مانع. وهو باطل لأنه ينفي الإرادة والاختيار عن الله ويؤدي إلى القول بقدم العالم.
س٦: ما الفرق بين التعليل والطبع؟
يشتركان في نفي الاختيار. ويفترقان في أن التعليل لا يتوقف على وجود شرط وانتفاء مانع، بينما الطبع يتوقف عليهما.
س٧: كيف نفهم أن الله أراد كفر أبي جهل مع أنه نهى عن الكفر؟
الإرادة بمعنى التخصيص (تخصيص الممكن بالوقوع)، والأمر بمعنى الطلب الشرعي. فالله خصص كفر أبي جهل بالوقوع (أراده) لكنه لم يأمر بالكفر بل نهى عنه. كما أنه أمر أبا جهل بالإيمان لكن لم يخصصه بالوقوع.
س٨: ما الفرق بين الجهل البسيط والجهل المركب؟
البسيط: عدم العلم بالشيء، وقابل للعلاج بالتعلم. المركب: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وصعب العلاج لأن صاحبه يظن أنه على صواب (فهو جاهل بالشيء وجاهل بأنه جاهل).
س٩: ما هي درجات الإدراك من الوهم إلى اليقين؟
الوهم (١٪-٤٩٪): إدراك الطرف المرجوح. الشك (٥٠٪): تساوي الطرفين. الظن (٥١٪-٩٩٪): إدراك الطرف الراجح. العلم واليقين (١٠٠٪): الإدراك الجازم المطابق. المطلوب في العقيدة هو اليقين.
س١٠: لماذا يكون الموت صفة وجودية عند أهل السنة؟
لأنه كما أوجد الله في الإنسان الحياة، فعندما ينتهي أجله يخلق فيه شيئا اسمه الموت. فالموت ليس مجرد انعدام الحياة بل هو صفة وجودية تقوم بالميت وتمنع اتصافه بالإدراك.
س١١: كيف يضاد البكم كلام الله النفسي؟
كلام الله نفسي ليس بصوت ولا حرف ولا لغة، فالذي يضاده ليس البكم اللفظي بل البكم النفسي (ترك الكلام النفسي عجزا)، ويضاده أيضا كون الكلام بالحروف والأصوات.
س١٢: لماذا صرح أهل السنة بتكفير القائلين بالتعليل والطبع؟
لأن قولهم يؤدي إلى نفي الإرادة عن الله تعالى، وإلى القول بقدم العالم (أنه ليس له بداية)، وهذا مخالف لما هو معلوم بالضرورة من أن العالم له بداية وأن الله فاعل بالإرادة والاختيار.
س١٣: ما التنبيه المصطلحي بشأن لفظ «التعليل» في كتب أهل السنة؟
قد يرد في كتب أهل السنة (كالرازي والغزالي والآمدي والبيضاوي) لفظ «التعليل»، لكن مرادهم به التلازم بين أمرين عقلا أو شرعا أو عادة، وليس تعليل الفلاسفة الذي ينفي الاختيار. فلا يغتر الطالب بالألفاظ المشتركة مع اختلاف الحقائق.
س١٤: كيف تكون أضداد صفات المعنوية لازمة لأضداد صفات المعاني؟
لما كانت المعنوية (كونه قادرا، مريدا، عالما...) لازمة لصفات المعاني (القدرة، الإرادة، العلم...)، فإن ضد كونه قادرا هو كونه عاجزا، وضد كونه مريدا هو كونه كارها، وهكذا في جميع الصفات.