الدرس ٤ — السيرة النبوية (السداسي ١)

اكتمال شخصية النبي ﷺ قبل البعثة — من إعادة بناء الكعبة إلى نزول الوحي

السنة الثانية رجال ١ | خلاصة القول في السيرة

١. عناصر شخصية النبي ﷺ قبل البعثة

استعرض الدرس تشكّل شخصية النبي ﷺ في مراحل متدرّجة، وقد سبق الحديث عن العناصر الثلاثة الأولى:

العنصرالسنّالدلالة
رعي الغنم٨ سنواتتحمّل المسؤولية المبكر والتشبّع بالقيم الإنسانية
حلف الفضول٢٠ سنةالحرص على إقامة العدل ونصرة المظلوم
الزواج بخديجة٢٥ سنةالاستقرار العائلي والشراكة في حمل الرسالة
فضّ النزاع (الحجر الأسود)٣٥ سنةالقدرة على حلّ الخلافات وحقن الدماء
من ٢٥ إلى ٣٥ سنة: عشر سنوات قضاها ﷺ أبًا وزوجًا، وُلد له فيها أبناؤه جميعًا: القاسم وعبد الله (وقد توفّيا صغيرَين)، وبناته: زينب ورقيّة وأمّ كلثوم وفاطمة.

٢. حادثة إعادة بناء الكعبة

عند بلوغ النبي ﷺ خمسًا وثلاثين سنة، وقعت حادثة كبرى في مكة:

اندلاع الحريق: أصاب الكعبةَ حريقٌ أضعف بنيانها، ثمّ هطلت أمطارٌ غزيرة أحدثت تشقّقات وتصدّعات في جدرانها وسقفها.
قرار الهدم وإعادة البناء: اتّفقت قريش على هدم الكعبة وإعادة بنائها، لكنّ بعضهم تردّد خوفًا ممّا أصاب أبرهة. فبادر الوليد بن المغيرة بالهدم، وانتظروا يومًا، فلمّا لم يصبه مكروه واصلوا.
شرط النفقة الحلال: اشترطت قريش ألّا يدخل في بناء الكعبة مالُ ربًا ولا مهرُ بغيّ ولا أيّ كسب حرام.
مشاركة النبي ﷺ: شارك ﷺ في الهدم والبناء ونقل الحجارة مع عمّه العبّاس، وأُغمي عليه من شدّة إصابة تلقّاها، فلمّا أفاق بادر بتغطية نفسه حياءً.

٣. قصة وضع الحجر الأسود

لمّا وصل البناء إلى موضع الحجر الأسود، تنازعت القبائل فيمن يضعه في مكانه، حتّى كادوا يقتتلون.

الحلّ النبويّ: اتّفقوا على تحكيم أوّل داخل عليهم، فكان النبيّ ﷺ. قالوا: "هذا محمّد بن عبد الله، هذا الصادق الأمين، رضيناه حكمًا." فطلب ﷺ قماشًا، ووضع الحجر في وسطه، وأمر ممثّلًا عن كلّ قبيلة أن يمسك بطرف منه، فرفعوه معًا، ثمّ وضعه ﷺ بيديه الشريفتين في مكانه.
معلومة: الحجر الأسود ليس من أحجار الأرض. وقد أثبتت تحليلات علمية أُجريت على عيّنة منه أنّه ليس من الكرة الأرضية، ويُسمّى أيضًا "الحجر الأسعد".

٤. فضّ النزاعات — ركيزة القيادة

العنصر الرابع من شخصيته ﷺ: القدرة على فضّ النزاعات وحلّ الخلافات بسرعة ونجاعة.

كلّ قائد ناجح يحتاج إلى هذه المهارة؛ فمن يحمل فكرة ويتبعه أتباع، لا بدّ أن يكون قادرًا على معالجة ما ينشأ بينهم من خلافات حتّى تصمد الفكرة ولا تندثر.

٥. التهيئة لنزول الوحي

بعد اكتمال شخصيته ﷺ، بدأ العدّ التنازلي لاستقبال الوحي، وشملت التهيئة ثلاث مراحل:

المرحلةالمظاهر
التغيّرات الجسديةشعر ﷺ بتقوّي بدنه وتغيّرات غير معتادة، تهيئةً لمقابلة الملَك
الرؤى الصالحةرؤى متكرّرة واضحة في المنام، تأتي كفلق الصبح (وهي جزء من النبوّة)
حبّ الخلاءانفرد ﷺ في غار حراء يتعبّد ويتحنّث، يحمل معه الطعام ويمكث الليالي ذوات العدد
الفرق بين الرؤيا والحلم: الحلم أحداث مبعثرة لا رابط بينها (حديث نفس)، أمّا الرؤيا فصورة واضحة تتكرّر عدّة مرّات. ورؤيا الأنبياء حقّ وجزء من النبوّة.

٦. نزول الوحي — اللقاء الأوّل بجبريل عليه السلام

في غار حراء، في شهر رمضان (حوالي شهر أوت ٦١٠م)، فاجأ جبريلُ عليه السلام النبيَّ ﷺ:

الأمر الأوّل: قال جبريل: "اقرأ". فأجاب ﷺ: "ما أنا بقارئ" — دليلٌ على أنّه ﷺ لم يكن يعرف القراءة والكتابة.
الضمّة الأولى والثانية: ضمّه جبريل ضمًّا شديدًا حتّى بلغ منه الجهد، ثمّ أرسله وكرّر الأمر. فعل ذلك ثلاث مرّات تهيئةً لاستقبال ثقل كلام الله تعالى.
نزول الآيات الأولى: في المرّة الثالثة تلا جبريل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
العودة إلى خديجة: نزل ﷺ مسرعًا إلى بيته في حالة روع وقال: "زمّلوني زمّلوني".
ردّ شبهة الانتحار: ما يُروى من أنّ النبي ﷺ همّ بالانتحار بعد فتور الوحي هو رواية بلاغ مرسلة عن الزهري بلا إسناد متّصل، وقد بيّن العلماء أنّها مكذوبة وباطلة لا أساس لها من الصحّة. والبخاري ذكرها ليبيّن ضعفها وفق منهجه في التمييز بين الصحيح والضعيف.

٧. دور السيدة خديجة رضي الله عنها

ظهر دور السيدة خديجة في لحظات حاسمة من بداية الوحي:

عبرة: السيدة خديجة ساعدت النبي ﷺ على فهم الوحي واحتوائه، فهي بحقّ قدوة نساء المسلمين في كيفية مساندة الزوج.

٨. لقاء ورقة بن نوفل

ورقة بن نوفل هو ابن عمّ السيدة خديجة، نصرانيّ يكتب التوراة والإنجيل بالعربية والعبرية، وله خبرة واسعة بأخبار الأنبياء.

التعرّف على الوحي: لمّا سمع ما وقع للنبي ﷺ قال: "هذا الناموس الذي نزل على موسى" — أي جبريل عليه السلام، أو طريقة الوحي ذاتها.
التنبؤ بالعداوة: أعطاه علامتين: أنّ قومه سيعادونه، وأنّهم سيُخرجونه من بلاده. فتعجّب ﷺ: "أوَ مُخرجيَّ هم؟"
وفاة ورقة وفتور الوحي: توفّي ورقة بعد أيّام، وانقطع الوحي فترة حتّى يستوعب ﷺ ما حدث كاملًا.
إسلام ورقة: يُعدّ ورقة مؤمنًا بالنبي ﷺ لأنّه أيقن ببداية البعثة وتمنّى أن يكون حيًّا لينصره.

أسئلة وأجوبة

س١: هل نزل جبريل عليه السلام في هيئة بشر أم على هيئته الحقيقية في المرّة الأولى؟الراجح أنّه نزل على هيئة بشر في المرّة الأولى. وسبب خوف النبي ﷺ هو المباغتة والمفاجأة، لا هيئة الملَك.
س٢: هل كان تسليم الحجر والشجر على النبي ﷺ قبل البعثة أم بعدها؟ليس كلّ ما يُروى في ذلك يثبت. الثابت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة: "إنّي لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أُبعث." وبعض الروايات الأخرى جاءت بعد البعثة كحديث جبل أُحُد.
س٣: ما المقصود بالناموس الذي ذكره ورقة بن نوفل؟قيل إنّ المقصود جبريل عليه السلام نفسه، وقيل إنّه طريقة الوحي ذاتها التي نزلت على موسى عليه السلام.
س٤: لماذا لم يكن النبي ﷺ يحفظ الشعر رغم سماعه له؟فطره الله تعالى على ألّا يحفظ غير القرآن بعد نزوله. كان ﷺ يسمع الشعر ويعيد المعاني لخديجة، لكنّه لم يحفظ منه إلّا بيتًا أو بيتين على أقصى تقدير.
س٥: لماذا ضمّ جبريلُ النبيَّ ﷺ ثلاث مرّات قبل تلاوة الآيات؟كان ذلك تهيئةً جسدية ونفسية لاستقبال كلام الله الثقيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. والضمّ أيضًا ليُدرك ﷺ أنّه في يقظة لا في منام.
س٦: ما الحكمة من فتور الوحي بعد أوّل نزوله؟ليأخذ النبي ﷺ متّسعًا من الوقت ليستوعب ما وقع: حقيقة الملَك، وكلام الله، واختياره نبيًّا ورسولًا. وبعد الاستيعاب صار مشتاقًا للقاء جبريل مرّة ثانية.
س٧: كيف يُفرَّق بين الرؤيا الصالحة وحديث النفس (الحلم)؟الحلم أحداث متناثرة لا خيط ناظم لها، تأتي مرّة واحدة وتذهب. أمّا الرؤيا فصورة واضحة ومحدّدة تتكرّر عدّة مرّات. ورؤيا الأنبياء حقّ وجزء من ستّ وأربعين جزءًا من النبوّة.
س٨: ما دلالة جواب النبي ﷺ "ما أنا بقارئ" على أُمّيّته؟الإنسان حين يُباغَت بأمر "اقرأ" يجيب إمّا بـ"ماذا أقرأ؟" أو "ليس عندي كتاب" إن كان يعرف القراءة. أمّا قوله "ما أنا بقارئ" فيدلّ على أنّه لا يعرف القراءة والكتابة أصلًا.
س٩: لماذا اشترطت قريش المال الحلال في بناء الكعبة؟لعِظَم مكانة الكعبة عندهم، رأوا أنّه لا يليق ببنائها أن يدخل فيه مال ربًا أو مهر بغيّ أو أيّ كسب حرام، فاشترطوا أن تكون النفقة من المال الحلال الطيّب فقط.
س١٠: لماذا اختار النبي ﷺ غار حراء تحديدًا للتعبّد؟كان بعيدًا عن مكة، ممّا يضمن عدم رؤية أحد له من أهله أو قبيلته، فلم يكن يريد أن يُقلق عائلته بحالته النفسية. وكانت العرب تعتاد الصعود إلى قمم الجبال والكهوف طلبًا للسكينة ونسمات الهواء.
س١١: ما أهمّية الاستقرار العائلي للأنبياء؟الزواج يحمي الأنبياء من تُهم الأعداء (كالزنا وغيره)، والزوجة الصالحة تكون معينة على حمل الرسالة، كما كانت خديجة للنبي ﷺ، بخلاف زوجة نوح وزوجة لوط اللتين كانتا معرقلتين.
س١٢: كيف كانت سمعة النبي ﷺ في أسواق مكة قبل البعثة؟كان معروفًا بالأمانة والصدق والعفاف بين التجّار. والأسواق أكثر الأماكن التي تنتشر فيها الأخبار بسرعة، فكانت سمعته الطيّبة تسبقه في كلّ مكان حتّى عرفه الناس قبل أن يروه.