٢. اللقاء الثاني بجبريل عليه السلام
بعد فتور الوحي بأيّام، واستيعاب النبي ﷺ لما حدث، وبينما هو يمشي في أحد شوارع مكة:
النداء: سمع صوتًا ينادي "يا محمّد". تلفّت فلم يجد أحدًا، ثمّ رفع رأسه إلى السماء فرأى جبريل الذي أتاه في غار حراء.
نزول سورتَي المدّثّر والمزّمّل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ — أمرٌ بالإنذار والدعوة. و﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ — حثٌّ على قيام الليل والتقرّب إلى الله.
قيام الليل: كان ﷺ يقوم الليل حتّى تتورّم قدماه. ولمّا سُئل عن ذلك وقد غفر الله له ما تقدّم وما تأخّر، قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟"
٤. أبو بكر الصدّيق — محور الدعوة الأوّل
مكانته قبل الإسلام
- من النخبة المثقّفة في قريش: يعرف القراءة والكتابة، وعالم بتاريخ العرب وأنسابهم.
- كانت له محاضرة أسبوعية يحضرها عدد كبير من الشباب المهتمّين بالعلم.
- صاحب مال وتجارة ومكانة اجتماعية محترمة.
إسلامه وجهوده الدعوية
قال ﷺ: "ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلّا كانت به كبوة وتردّد، إلّا أبا بكر، فما عَكَم حين ذكرته له." — أي لم يتردّد لحظة واحدة.
بعد إسلامه مباشرة، خرج يدعو إلى الله. وأسلم على يديه في أوّل يومين:
| اليوم الأوّل | اليوم الثاني |
| عثمان بن عفّان | عثمان بن مظعون |
| سعد بن أبي وقّاص | أبو عبيدة بن الجرّاح |
| الزبير بن العوّام | أبو سلمة بن عبد الأسد |
| طلحة بن عبيد الله | الأرقم بن أبي الأرقم |
| عبد الرحمن بن عوف | |
إنجاز أبي بكر: أسلم على يديه ما لا يقلّ عن أربعين شخصًا في فترة الدعوة السرّية، إمّا بإقناعه مباشرة أو بإقناع أوّلي ثمّ إتمام النبي ﷺ.
٥. مرحلة الدعوة السرّية (٣ سنوات)
لماذا كانت الدعوة سرّية؟ لأنّ فكرة التوحيد وترك الأصنام كانت دخيلة على العرب، فاحتاج الأمر إلى:
- تكوين نواة صلبة من المؤمنين الذين يفهمون الإسلام ويعيشونه.
- تذوّق حلاوة الإيمان حتّى لا يرتدّوا مهما اشتدّ البلاء.
- تكوين قدرة على التحمّل والصبر.
تنظيم الدعوة السرّية
بلغ عدد المسلمين ٥٠-٦٠ شخصًا، قسّموا أنفسهم إلى مجموعات صغيرة (٦-٧ أشخاص)، في كلّ مجموعة من يعرف القراءة والكتابة ليتلو عليهم آخر ما نزل من القرآن ويفسّره.
أثر الإسلام في المستضعفين: العبيد كبلال وصهيب وجدوا في الإسلام ما يعيد لهم إنسانيّتهم وكرامتهم وحرّيتهم — أحلام لم تكن إلّا أوهامًا قبل الإسلام، فصارت واقعًا يعيشونه.
٦. الجهر بالدعوة (العام الرابع من البعثة)
نزل الأمر الإلهي بالجهر في آيتين:
- ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ — سورة الحجر: أعلِن قول الحقّ ولا تبالِ بأحد.
- ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ — سورة الشعراء: ابدأ بالأقربين.
إنذار الأقربين: نادى ﷺ قريشًا بطنًا بطنًا (فرعًا فرعًا)، وحدّثهم عن الإسلام والتوحيد.
ردّ أبي لهب: قال: "تبًّا لك، ألهذا جمعتنا؟" فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
نزول سورة الكافرون: أعلنت الفصل التامّ بين التوحيد والشرك: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. والتكرار فيها للتأكيد والترسيخ.
مواقف أعمام النبي ﷺ من الإسلام
| الموقف | الأعمام |
| أسلموا | حمزة (أعلن إسلامه) — العبّاس (أخفى إسلامه) |
| رفضوا وعادوا | أبو لهب — من أشدّ الأعداء |
| لم يُسلم لكنّه حمى النبي ﷺ | أبو طالب — حماه من جانب الدم واعتبره أمانة أبيه عبد المطّلب |
لماذا خشيت قريش من "لا إله إلّا الله"؟
| المجال | الخطر المتوقّع في نظر قريش |
| سياسيًّا | انتزاع سلطتهم على الجزيرة العربية وقرارات السلم والحرب |
| اقتصاديًّا | المساس بثرواتهم (رحلتا الشتاء والصيف والحجّ) |
| اجتماعيًّا | مساواة الأسياد بالعبيد — وهو ما يأبونه بشدّة |
٧. إيذاء المشركين للنبي ﷺ والصحابة
قال ﷺ: "لقد أُخِفت في الله وما يُخاف أحد، ولقد أُوذيت في الله وما يُؤذى أحد."
صور من إيذاء النبي ﷺ
- عقبة بن أبي مُعَيط: لفّ قماشًا حول رقبة النبي ﷺ وخنقه بقوّة حتّى جاء أبو بكر ودفعه قائلًا: "أتقتلون رجلًا أن يقول ربّي الله؟"
- أبو جهل: أقسم أن يطأ على رقبة النبي ﷺ أثناء صلاته، فلمّا اقترب رأى خندقًا من نار حال بينه وبينه. قال ﷺ: "لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا."
- سلا الجزور: وضعوا أحشاء ناقة على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، فجاءت فاطمة الصغيرة وأزالتها عنه.
صور من تعذيب الصحابة
| الصحابي | صورة التعذيب |
| سمّية بنت خيّاط | أوّل شهيدة في الإسلام — طعنها أبو جهل بخنجر فقتلها أمام ابنها عمّار |
| ياسر بن عامر | قُتل أيضًا أمام ابنه عمّار. قال ﷺ: "صبرًا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنّة" |
| بلال بن رباح | كان يُربط ويُجرّ في الرمل الحارّ صباحًا، ثمّ توضع عليه صخرة في وقت القيلولة وهو يقول: "أحد أحد" |
| خبّاب بن الأرتّ | كانت سيّدته تشعل النار وتقرّبه منها مرّات عديدة |
| أبو بكر الصدّيق | أشدّهم تعذيبًا لقربه من النبي ﷺ — ضُرب ضربًا مبرحًا حتّى أُغمي عليه أربعة أيّام |
أبو بكر بعد إفاقته
الإفاقة: بعد أربعة أيّام من الغيبوبة، فتح عينيه ووجد أمّه بجانبه. أوّل كلمة قالها: "أين صاحبي؟ احملوني إلى صاحبي."
إسلام أمّه: في تلك الليلة، كلّمها النبي ﷺ وأبو بكر حتّى نطقت بالشهادتين.
عتق العبيد: كان يشتري العبيد المسلمين المعذّبين ويعتقهم: بلال وأمّه حمامة، وعامر بن فهيرة، وأمّ عبيس، وزنّيرة، والنهدية وابنتها، وغيرهم.
٨. الأمر بالهجرة إلى الحبشة
قال ﷺ: "اذهبوا إلى الحبشة، فإنّ بها ملكًا لا يُظلَم عنده أحد."
لمّا رأى النبي ﷺ ما يلقاه أصحابه من العذاب الشديد، نصحهم بالهجرة إلى الحبشة فرارًا بدينهم، وهو ما سيكون موضوع الدرس القادم.
أسئلة وأجوبة
س١: ما قصة نزول سورة الكافرون؟
اقترح المشركون على النبي ﷺ أن يعبدوا إلهه عامًا ويعبد آلهتهم عامًا (المناوبة في العبادة)، فنزلت السورة بالفصل التامّ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
س٢: هل قول "أتقتلون رجلًا أن يقول ربّي الله" خاصّ بأبي بكر أم بمؤمن آل فرعون؟
الآية في سورة غافر نزلت في قصّة موسى عليه السلام ومؤمن آل فرعون. لكنّ أبا بكر استعمل المعنى نفسه في الدفاع عن النبي ﷺ. ومعظم سور القصص نزلت في الفترة المكّية تطييبًا لخاطر النبي ﷺ والصحابة.
س٣: هل كان أبو بكر على الحنيفية (الديانة الإبراهيمية) قبل الإسلام؟
ثمّة رواية بذلك لكنّها تحتاج إلى تحقيق وتثبّت. والأمر غير مستبعد لأنّ سلوكه وأخلاقه كانت تختلف عن بقيّة الناس.
س٤: لماذا كانت الدعوة سرّية ثلاث سنوات؟
لتكوين نواة صلبة من المؤمنين الذين يفهمون الإسلام ويذوقون حلاوة الإيمان، فلا يرتدّوا مهما اشتدّ البلاء بعد الجهر. ولأنّ فكرة التوحيد كانت صادمة للعرب فاحتاجت تمهيدًا.
س٥: لماذا لم يكسر النبي ﷺ الأصنام بنفسه؟
كان ﷺ يخاطب العقول والقلوب لا الحجارة. فتح صدور الناس للإسلام، وهم أنفسهم — الذين كانوا يعبدون الأصنام — كسروها بأيديهم لاحقًا. هذا هو نجاح الدعوة الحقيقي.
س٦: ما سبب كون أبي بكر أشدّ الصحابة تعذيبًا؟
لأنّ قريشًا كانت تعرف قربه الشديد من النبي ﷺ، فكان أقرب المقرّبين وأكثر الصحابة نشاطًا في الدعوة. وقد صرّح ﷺ بأنّ أحبّ الرجال إليه أبو بكر.
س٧: كيف أثّر قيام الليل على قوّة النبي ﷺ الروحية؟
سورة المزّمّل حثّته على قيام الليل لأنّ الأنبياء يتقرّبون إلى الله بنصيب وافر من العبادات. وكان ﷺ يصلّي حتّى تتورّم قدماه شكرًا لله على نعمة النبوّة والرسالة.
س٨: ما الحكمة من التكرار في سورة الكافرون؟
التكرار اللفظي غرضه الأساسي التأكيد والترسيخ في ذهن المخاطَب: أنّ الفصل بين التوحيد والشرك نهائيّ لا رجعة فيه.
س٩: لماذا كان أبو بكر يختار الضعفاء والعبيد لعتقهم دون الأقوياء؟
كان يفعل ذلك ابتغاء وجه الله لا لمصلحة شخصية. ولمّا لامه أبوه قائلًا: "اعتق أقوياء ينفعونك"، أجاب: "إنّما أفعل ما أرى" — أي أبتغي الأجر عند الله لا منفعة الدنيا.
س١٠: ما هي أوّل السور التي نزلت بعد فتور الوحي؟
سورة المدّثّر (﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾) التي أمرت النبي ﷺ بالإنذار والدعوة، وسورة المزّمّل (﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾) التي حثّته على قيام الليل والتعبّد.
س١١: ما موقف النبي ﷺ من تعذيب آل ياسر؟
لم يكن يملك إلّا الدعاء والتثبيت. مرّ بهم وهم يُعذَّبون فقال: "صبرًا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة." وهذا يبيّن مرحلة الاستضعاف التي لم يكن فيها للمسلمين قوّة مادّية.
س١٢: لماذا وصف النبي ﷺ النجاشيَّ بالعدل قبل أن يعرفه؟
لأنّ الله تعالى أوحى إليه بذلك. وشهادة النبي ﷺ: "فإنّ بها ملكًا لا يُظلَم عنده أحد" تؤكّد أنّ هذه معرفة ربّانية لا بشرية.