١. ضد صفة الإرادة: التعليل والطبع
وقع في كلام أهل السنة ألفاظ التعليل والطبع والخلق عند ذكر ضد صفة الإرادة. والمقصود التفريق بين ثلاثة مذاهب:
| المذهب | القول | المثال |
| الفلاسفة (القدماء الأغريق) |
الأشياء تؤثر بذاتها من غير إرادة ولا اختيار، ولا يمكن الانفكاك بينها عقلاً. قالوا بقدم العالم ونفوا الإرادة. |
النار تحرق دائماً بلا شرط — لا يمكن تصور نار بلا حرق |
| الطبيعيون |
الأشياء تؤثر بطبيعتها لكن مع وجود الشرط وانتفاء المانع. يشتركون مع الفلاسفة في نفي الاختيار. |
النار تحرق بطبيعتها لكن بشرط ملامسة المادة وانتفاء المانع (كالماء) |
| أهل السنة (المؤمنون) |
لا تأثير للعلة ولا للطبيعة في شيء أصلاً، بل التأثير لله وحده عز وجل وهو الخالق لكل شيء. |
الله هو الخالق لحركة الإصبع ولحركة الخاتم وللنار وللحرق — بإرادته واختياره |
حكم القائلين بالتعليل والطبع: من نفى الاختيار عن الخالق فقد نسب إليه النقص والعجز، وهذا كفر عند أهل السنة.
تنبيه: استعمال أهل السنة للفظ «العلة»
وقع في كلام الأشاعرة كالإمام الآمدي والرازي والجويني استعمال لفظ «العلة» و«التعليل»، خاصة في كتب أصول الفقه (مثل: «علة الربا في المقتات عند المالكية هي الاقتيات والادخار»).
مرادهم بالعلة: التلازم بين أمرين عقلاً أو شرعاً أو عادةً — وليس مرادهم التعليل الذي يقول به الفلاسفة (نفي الاختيار). فالعلة عند أهل السنة = سبب عادي فقط.
٢. الأخذ بالأسباب والتوكل
الله سبحانه وتعالى تعبّدنا في هذه الحياة بالأخذ بالأسباب:
- الرسول ﷺ كان يأخذ بالأسباب في الغزوات: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾
- من أراد الأكل يطبخ، من أراد النجاح يدرس، من مرض يتداوى
- لكن يعتقد أن الله هو الخالق لكل شيء — الأسباب مجرد أسباب عادية
خطر التعلق الشديد بالأسباب: من تعلق قلبه بالأسباب المادية تعلقاً شديداً فهذا مشكلة في العقيدة. المسلم يأخذ بالأسباب مع اعتقاد أن الله هو الفاعل الحقيقي.
مسألة التوكل والأسباب
اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
| القول | أصحابه | التفصيل |
| التوكل ينافي الأخذ بالأسباب | بعض الصوفية + الإمام الطبري وغيره | المتوكل يترك الأسباب ويكتفي بالله |
| الراجح: التفصيل | جمهور العلماء | إذا كان قلبه لا يضطرب بترك الأسباب فله ذلك. وإذا كان يحتاج الأسباب لاطمئنان قلبه فليأخذ بها. |
الدليل: الرسول ﷺ كان يأخذ بالأسباب — كان عنده فدك يتسبب منها. وأهل الصُّفة (٧٠ من الصحابة) كانوا لا كسب لهم ولا مال، يقومون الليل بالقرآن ويُعلِّمون الناس. وقبِل ﷺ من أبي بكر كلَّ ماله لأنه يعلم أن قلبه لا يتعلق بالمال.
٣. ضد صفة العلم: الجهل وما في معناه
أنواع الجهل
| النوع | التعريف | المثال |
| الجهل البسيط |
عدم العلم بالشيء (مع قبوله للتعلم) |
شخص لا يعرف اللغة الروسية — يمكنه تعلمها |
| الجهل المركب |
اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع. سُمّي مركباً لاستلزامه جهلين: جهل بالشيء + جهل بأنه جاهل |
يقول هذا الحبر أحمر وهو في الحقيقة أزرق — ويعتقد أنه مصيب |
الجهل المركب أخطر: يصعب علاجه جداً خاصة في المجال الديني. مثل من يعتقد أن المسح على الجوارب لا يصح، أو أن الله جسم في مكان — ويظن أنه على صواب.
ما في معنى الجهل (ما يشاركه في منافاة العلم)
| الصفة | المعنى | حكمها في حق الله |
| الظن | إدراك الطرف الراجح (ترجيح أحد الاحتمالين) | مستحيل |
| الشك | إدراك كل من الطرفين على حد السواء (٥٠/٥٠) | مستحيل |
| الوهم | إدراك الطرف المرجوح | مستحيل |
| النسيان | ذهاب العلم بعد حصوله | مستحيل ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ |
| النوم | غفلة تمنع الإدراك | مستحيل |
٤. ضد صفة الحياة: الموت
الموت عند أهل السنة: صفة وجودية قائمة بالميت، تمنع اتصافه بالإدراك. أي أن الله يخلق في الميت شيئاً اسمه الموت.
الحياة: صفة تُصحّح اتصاف من قامت به بسائر الصفات (العلم، الإرادة، السمع...). والموت يُضادها فيمنع من كل ذلك.
٥. ضد صفتي السمع والبصر: الصمم والعمى
لضد السمع والبصر معنيان:
| المعنى | التوضيح | حكمه |
| الأول: صفة وجودية تمنع من السمع/الإبصار |
كما في حق المخلوقات: الله يخلق في الإنسان صفة اسمها الصمم أو العمى |
ظاهر الاستحالة — مناقض لصفتي السمع والبصر |
| الثاني: غيبة بعض الموجودات عن السمع والبصر |
أن تغيب بعض الموجودات عن سمعه تعالى أو بصره |
مستحيل أيضاً — لأن سمعه وبصره تعالى يتعلقان بجميع الموجودات بلا استثناء |
الفرق عن حق المخلوقات: الصمم والعمى في حق المخلوقات = صفة وجودية يخلقها الله فيهم. أما في حق الله فيُنفى بالمعنيين معاً.
٦. ضد صفة الكلام: البكم (الخَرَس)
كلام الله عند أهل السنة (الأشاعرة)
كلام الله تعالى نفسي قائم بذاته العلية — ليس بصوت ولا بحرف ولا بلغة، لا تقديم فيه ولا تأخير. وهو قديم لا يقوم إلا بقديم.
الدليل على صفة الكلام
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾
«تكليماً» = مفعول مطلق من نفس جنس الفعل، ينفي أي احتمال لمعنى آخر غير الكلام الحقيقي.
كيف كلّم الله موسى؟
| المذهب | القول |
| المعتزلة | الله خلق صوتاً وحرفاً في الشجرة وسمعه موسى — وليس كلام الله بل مخلوق |
| الأشاعرة | ليس كل كلام صوتاً وحرفاً — فكما أن الإنسان له كلام نفسي (ما يختلج في صدره بلا صوت ولا حرف)، فالله تعالى يتصف بكلام نفسي قائم بذاته |
ضد الكلام في حق الله
- البكم النفسي: ترك الكلام النفسي عجزاً — مستحيل
- كون كلامه بالحروف والأصوات: مستحيل — لأنه يلزم الحدوث، وكل ما لازم الحادث فهو حادث، وكلامه تعالى قديم
٧. باب الممكنات (الجائز في حق الله تعالى)
وأما الجائز في حقه تعالى فهو فعل كل الممكنات أو تركه
- فعل الممكن = إيجاده: إخراجه من العدم إلى الوجود (سواء كان ذاتاً أو صفة أو فعلاً)
- ترك الممكن = إبقاؤه في العدم
- الله إذا شاء أنزل مطراً وإذا شاء لم يُنزل — يفعل ما يريد
- لا يُتصوَّر في حقه الظلم لأن الظلم = التصرف في ملك الغير، والعالم كله ملك لله
الممكن العقلي: ما يصح في العقل وجوده وعدمه — وجوده لا يترتب عليه استحالة، وعدمه لا يترتب عليه استحالة.
القدرة والإرادة: لا تتعلقان إلا بالممكنات (لا بالواجبات ولا بالمستحيلات).
لا يجب على الله عقلاً فعل شيء من الممكنات ولا يستحيل عليه تركه.
تلخيص أبواب الإلهيات
| الباب | المحتوى | الحالة |
| ١. الواجبات | ٢٠ صفة واجبة | تم دراسته |
| ٢. المستحيلات | ٢٠ صفة مستحيلة (أضداد الواجبة) | تم دراسته (هذه الحصة) |
| ٣. الممكنات | فعل كل ممكن أو تركه | بُدئ فيه (هذه الحصة) |
أسئلة وأجوبة للمراجعة
س١: ما هو ضد صفة الإرادة؟ وما الفرق بين التعليل والطبع؟
ضدها: الإيجاد بالتعليل أو الطبع (أي بلا إرادة ولا اختيار). التعليل: الأشياء تؤثر بذاتها بلا شرط (الفلاسفة). الطبع: تؤثر بطبيعتها مع وجود الشرط وانتفاء المانع (الطبيعيون). كلاهما ينفيان الاختيار.
س٢: ما قول أهل السنة في تأثير الأسباب؟
لا تأثير للعلة ولا للطبيعة في شيء أصلاً، بل التأثير لله وحده عز وجل. هو الخالق للنار وللحرق ولحركة الإصبع والخاتم.
س٣: كيف نفهم استعمال أهل السنة للفظ «العلة»؟
مرادهم التلازم بين أمرين عقلاً أو شرعاً أو عادة، وليس مرادهم التعليل الفلسفي (نفي الاختيار). مثال: «علة الربا الاقتيات والادخار» = سبب عادي.
س٤: ما حكم الأخذ بالأسباب في الإسلام؟
الأخذ بالأسباب مطلوب شرعاً — الرسول ﷺ كان يأخذ بها في الغزوات والتجارة. لكن يجب اعتقاد أن الله هو الخالق الفاعل، والأسباب مجرد أسباب عادية.
س٥: ما الفرق بين الجهل البسيط والجهل المركب؟
البسيط: عدم العلم بالشيء (يقبل التعلم). المركب: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع + الجهل بأنه جاهل. المركب أخطر لصعوبة علاجه.
س٦: ما الذي يشارك الجهل في منافاة العلم؟
الظن (إدراك الراجح)، الشك (تساوي الطرفين ٥٠/٥٠)، الوهم (إدراك المرجوح)، النسيان، النوم. كلها مستحيلة في حق الله.
س٧: ما هو الموت عند أهل السنة؟
صفة وجودية قائمة بالميت تمنع اتصافه بالإدراك. وليس مجرد عدم الحياة بل هو شيء يخلقه الله في الميت.
س٨: ما معنيا ضد السمع والبصر في حق الله؟
الأول: الصمم والعمى كصفة وجودية (كما في المخلوقات) — ظاهر الاستحالة. الثاني: غيبة بعض الموجودات عن سمعه وبصره — مستحيل لأنهما يتعلقان بجميع الموجودات.
س٩: ما هو كلام الله عند الأشاعرة؟
كلام نفسي قائم بذاته العلية، ليس بصوت ولا بحرف، قديم أزلي. والتوراة والإنجيل والقرآن عبارات دالة على كلامه القديم.
س١٠: كيف أثبت الأشاعرة إمكان كلام بلا صوت وحرف؟
بأن الإنسان نفسه له كلام نفسي — ما يختلج في صدره من معانٍ بلا أن ينطق بها. فليس كل كلام صوتاً وحرفاً حتى في حق المخلوقات.
س١١: ما الجائز في حق الله تعالى؟
فعل كل ممكن أو تركه. فلا يجب عليه عقلاً فعل شيء ولا يستحيل عليه ترك شيء من الممكنات.
س١٢: لماذا لا يُتصور الظلم في حق الله؟
لأن الظلم = التصرف في ملك الغير بغير إذنه. والعالم كله ملك لله، فيفعل ما يريد في ملكه.
س١٣: ما هي الأبواب الثلاثة في الإلهيات؟
١. الواجبات: ٢٠ صفة واجبة. ٢. المستحيلات: ٢٠ صفة مستحيلة (أضدادها). ٣. الممكنات: فعل كل ممكن أو تركه.
س١٤: لماذا القدرة والإرادة لا تتعلقان بالواجبات والمستحيلات؟
لأن الواجب موجود حتماً لا يحتاج إيجاداً، والمستحيل معدوم حتماً لا يقبل الإيجاد. فتبقى القدرة والإرادة متعلقتين بالممكنات فقط.