الحصة ٢٠ — العقيدة

باب الممكنات (تتمة) + صفات الأفعال + مقدمة باب البراهين

السنة الثانية رجال ١ | ٢٠٢٥-٢٠٢٦

١. باب الممكنات في حق الله تعالى (تتمة)

وأما الجائز في حقه تعالى فهو فعل كل ممكن أو تركه

تعريف الممكن العقلي

هو ما حكم العقل باستواء وجوده وعدمه، ويُسمّى أيضاً الجائز العقلي.

المصطلحالمعنى
فعل الممكنإيجاده: إخراجه من العدم إلى الوجود
ترك الممكنإبقاؤه في العدم

أحكام الممكنات

قاعدة: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. إذا شاء أوجده، وإذا شاء أعدمه.

ويُسمّى كل فعل من أفعاله تعالى شأناً له، والدليل قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

٢. تفسير آية ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

تنبيه: لا تعني هذه الآية أن الله يتغير — فكل متغير حادث، والتغير مستحيل في حق الله تعالى.

المراد: كل وقت هو — أي ربّ تعالى — في شأن، أي أمرٍ يُظهره على وفق ما قدّره وأراده في الأزل، من:

الشأنمعناه
إيجاد وإعداميُوجد أشياء ويُعدم أشياء في كل لحظة
إعزاز وإذلاليُعزّ أقواماً ويُذلّ آخرين
إغناء وإفقاريُغني من يشاء ويُفقر من يشاء
إعطاء سائليعطي هذا السائل ولا يعطي ذاك
إجابة داعٍيستجيب دعاء هذا في الدنيا وذاك في الآخرة
إحياء وإماتةيُحيي ويُميت في كل لحظة

٣. الواجب العرضي والمستحيل العرضي

قد يعرض لبعض الممكنات تغيّرٌ في حكمها بسبب ورود دليل شرعي:

النوعالتعريفالمثال
واجب عرضي
(واجب لغيره)
ممكن عقلاً صار واجباً شرعاً بسبب إخبار شرعي بوقوعه دخول الطائع الجنة — كان جائزاً عقلاً فصار واجباً بالأدلة الشرعية
مستحيل عرضي
(مستحيل لغيره)
ممكن عقلاً صار مستحيلاً شرعاً بسبب إخبار شرعي بعدم وقوعه دخول الكافر الجنة — كان جائزاً عقلاً فصار مستحيلاً بالأدلة الشرعية
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾

الفرق بين الذاتي والعرضي

  • الواجب/المستحيل الذاتي: حكمه ثابت بالعقل وحده (بالنظر لذاته) — وهو ما ذكره المؤلف في أول العقيدة
  • الواجب/المستحيل العرضي: أصله ممكن عقلاً، ثم عرض له دليل شرعي فغيّر حكمه

أمثلة أخرى

المسألةحكمها العقليحكمها الشرعي
عدد الصلوات المفروضة (٢، ٥، ١٠٠...)جائز (أي عدد)واجب: خمس صلوات بالأدلة الشرعية
إقراض ١٠٠٠ واسترجاع ١١٠٠جائزمستحيل (حرام): لأنه ربا ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾
تمدد الحديد بالحرارةجائزواجب بالتجربة (ليس بالشرع بل بالنظر التجريبي)

٤. صفات الأفعال

التعريف: الإيجاد والإعدام وغيرهما مما يجوز في حقه تعالى يُسمّى صفات الأفعال، وهي عبارة عن التعلقات التنجيزية لصفة القدرة.

أمثلة على صفات الأفعال

الإيجاد — الإعدام — الإحياء — الإماتة — إنزال المطر — الإغناء — الإفقار — الإعزاز — الإذلال — الرزق...

حكم صفات الأفعال

الحكمالتعليل
حادثة (ليست قديمة)لأنها جائزة، والجائز = ما يقبل الوجود والعدم = له بداية = حادث
ليست قائمة بذاته تعالىلأنه لو قامت بذاته للزم قيام الحوادث بذاته، وهو محال (لأن كل ما لازم الحادث فهو حادث)
تُعدّ من صفاته تعالىلأنها صادرة عن قدرته — فهي آثار لصفة القدرة
تنبيه مهم: الله لا يفعل أفعاله في ذاته بل في العالم. فالخلق والإيجاد يقع في المخلوقات لا في ذات الله، فلا يلزم قيام الحوادث بذاته تعالى.

صفات الأفعال = إضافات اعتبارية

صفات الأفعال هي إضافات (علاقات) بين القدرة ومقدورها:

مثال توضيحي: زرّ الإنارة — تضغط عليه فيُنير المصباح. في الخارج تشاهد الضغط وتشاهد الإنارة، أما العلاقة بينهما (الضغط يؤدي للإنارة) فهي مفهوم ينتزعه الذهن، أمر اعتباري لا وجود له مستقلاً في الخارج.

ولهذا يُطلق على صفات الأفعال الحدوث بمعنى التجدد لا بمعنى الوجود بعد العدم — فأفعال الله متجددة فيما لا يزال (من الآن إلى ما لا نهاية)، لا تفنى ولا تنتهي.

٥. التعلق الصلوحي والتنجيزي لصفة القدرة

النوعالتعريفالحكمالمثال
التعلق الصلوحي قدرة الله في الأزل صالحة لإيجاد وإعدام أي ممكن، في أي مكان وأي زمان وبأي صفة قديم (أزلي بلا بداية) قدرة الله صالحة لإيجاد زيد في أي وقت وأي مكان
التعلق التنجيزي إيجاد الله للشيء بالفعل — في زمان معين ومكان معين بصفات مخصوصة حادث (مقيد بزمان ومكان) الله أوجد زيداً عام كذا في المكان كذا بالصفات كذا

العلاقة بين القدرة والإرادة في الإيجاد

  • الإرادة: تعلّقها بالممكنات تعلّق تخصيص — تُخصّص المكان والزمان والصفات والمقدار والجهة
  • القدرة: تعلّقها بالممكنات تعلّق تأثير — تختص بالإيجاد والإعدام بالفعل
مثال: الشمس — الإرادة خصّصتها بهذا الحجم واللون والصفات، والقدرة أوجدتها بالفعل.

٦. مقدمة باب أدلة الصفات وبراهينها

بعد أن فرغ المصنف (الإمام السنوسي رحمه الله) من بيان الواجبات والمستحيلات والممكنات، شرع في ذكر براهين الصفات العشرين وأدلتها.

لماذا سُمّي هذا المتن «أم البراهين»؟ لأنه يذكر كل صفة ببرهانها — فالمنهجية هي: ذكر العقيدة ثم إقامة الدليل عليها، ليخرج المكلف عن التقليد المختلف في إيمان صاحبه إلى المعرفة المتفق على إيمان صاحبها.

التقليد والمعرفة (تذكير)

أول البراهين: برهان الوجود (حدوث العالم)

أما برهان وجوده تعالى فحدوث العالم

هذا البرهان من أهم الأدلة على إثبات وجود الله تعالى، وخلاصته:

سيُستكمل: تفصيل برهان حدوث العالم في الحصة القادمة إن شاء الله.

ملخص: أبواب الإلهيات (اكتملت)

البابالمحتوىالحالة
١. الواجبات٢٠ صفة واجبةتمّ
٢. المستحيلات٢٠ صفة مستحيلة (أضداد الواجبة)تمّ
٣. الممكناتفعل كل ممكن أو تركهتمّ (هذه الحصة)
المرحلة التالية: باب البراهين والأدلة

أسئلة وأجوبة للمراجعة

س١: ما تعريف الممكن العقلي؟ وما معنى فعله وتركه؟ الممكن العقلي (الجائز العقلي) هو ما حكم العقل باستواء وجوده وعدمه. فعله: إيجاده (إخراجه من العدم إلى الوجود). تركه: إبقاؤه في العدم. ولا يجب على الله فعل شيء من الممكنات ولا يستحيل عليه ترك شيء منها.
س٢: ما تفسير آية ﴿كل يوم هو في شأن﴾؟ وهل تدل على التغير؟ لا تدل على التغير أبداً — فالتغير مستحيل في حق الله (كل متغير حادث). المراد: أن الله في كل وقت يُظهر أموراً على وفق ما قدّره وأراده في الأزل، من إيجاد وإعدام، وإعزاز وإذلال، وإغناء وإفقار، وإحياء وإماتة.
س٣: ما الفرق بين الواجب الذاتي والواجب العرضي؟ الواجب الذاتي: ما وجب بالعقل وحده بالنظر لذاته (كصفات الله العشرين). الواجب العرضي (لغيره): ما كان ممكناً عقلاً ثم صار واجباً بسبب دليل شرعي (كدخول الطائع الجنة). وكذلك المستحيل العرضي: ما كان ممكناً فصار مستحيلاً شرعاً (كدخول الكافر الجنة).
س٤: مثّل للواجب العرضي والمستحيل العرضي من الفقه. واجب عرضي: الصلوات الخمس — عدد الصلوات جائز عقلاً (٢ أو ٥ أو ١٠٠)، لكن الأدلة الشرعية أوجبت خمساً. مستحيل عرضي: الربا — إقراض ١٠٠٠ واسترداد ١١٠٠ جائز عقلاً، لكنه مستحيل (حرام) شرعاً بالنص القرآني.
س٥: ما هي صفات الأفعال؟ ولماذا سُمّيت كذلك؟ هي الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وإنزال المطر والإغناء والإفقار ونحوها. سُمّيت صفات أفعال لأنها أفعال الله الصادرة عن قدرته، وهي التعلقات التنجيزية لصفة القدرة.
س٦: هل صفات الأفعال قديمة أم حادثة؟ ولماذا؟ حادثة — لأنها جائزة (تقبل الوجود والعدم)، وكل جائز له بداية فهو حادث. وهي ليست قائمة بذات الله بل تقع في العالم، فلا يلزم قيام الحوادث بذاته تعالى.
س٧: ما الفرق بين التعلق الصلوحي والتعلق التنجيزي لصفة القدرة؟ التعلق الصلوحي: قديم أزلي — قدرة الله صالحة منذ الأزل لإيجاد أو إعدام أي ممكن في أي وقت ومكان. التعلق التنجيزي: حادث — إيجاد الله للشيء بالفعل في زمان ومكان معينين بصفات مخصوصة.
س٨: ما الفرق بين تعلق القدرة وتعلق الإرادة بالممكنات؟ الإرادة: تعلّق تخصيص — تُخصّص المكان والزمان والصفات والمقدار. القدرة: تعلّق تأثير — تختص بالإيجاد والإعدام بالفعل. مثال: الشمس — الإرادة خصّصتها بحجمها ولونها، والقدرة أوجدتها.
س٩: لماذا صفات الأفعال إضافات اعتبارية؟ لأنها علاقات بين القدرة (الصفة) والمقدور (الأثر). هذه العلاقة مفهوم ينتزعه الذهن وليس شيئاً موجوداً في الخارج بذاته. في الخارج نرى القدرة ونرى المقدور، أما الربط بينهما فأمر اعتباري ذهني.
س١٠: لماذا لا يلزم قيام الحوادث بذات الله رغم أن صفات الأفعال حادثة؟ لأن صفات الأفعال ليست قائمة بذاته تعالى — الله لا يفعل أفعاله في ذاته بل في العالم. فالخلق والإيجاد يقع في المخلوقات، وهي آثار قدرته وإضافات اعتبارية لا ثبوت لها في الخارج.
س١١: لماذا سُمّي متن السنوسي «أم البراهين»؟ لأنه يذكر كل صفة من الصفات العشرين مع برهانها ودليلها، فيخرج المكلف عن التقليد إلى المعرفة بالبرهان والدليل.
س١٢: ما خلاصة برهان الوجود (حدوث العالم)؟ العالم حادث (له بداية) — ثبت ذلك عقلاً وعلمياً. ووجود أثر (العالم) بدون مؤثر (خالق) مستحيل عقلاً. فلا بد من وجود من أحدثه وهو الله سبحانه وتعالى. (سيُفصَّل في الحصة القادمة)
س١٣: ما أقسام حكم العقل الثلاثة؟ ١. الواجب العقلي: ما لا يقبل العدم. ٢. المستحيل العقلي: ما لا يقبل الوجود. ٣. الجائز (الممكن) العقلي: ما يقبل الوجود والعدم على حد السواء.