١. مراجعة وتمهيد
ما سبق دراسته في باب الإلهيات (ثلاثة أقسام):
١. الواجبات في حق الله (٢٠ صفة)
٢. المستحيلات في حق الله (٢٠ صفة — أضداد الواجبات)
٣. الممكنات في حق الله تعالى
منهج الإمام السنوسي في أم البراهين
- يذكر العقائد التي يجب على كل مكلّف تحصيلها ومعرفتها
- ثم يأتي ببرهان (دليل) على كل عقيدة
- الغاية: إخراج المكلّف من التقليد (المختلَف في إيمان صاحبه) إلى المعرفة (المتفَق على إيمان صاحبها)
المقلّد: من يجزم بقول الغير من غير دليل. المعتمد: هو مؤمن عاصٍ إن كانت له أهلية النظر، وإلا فهو مؤمن وليس عاصياً.
٢. تعريف البرهان
أ. التعريف اللغوي
| الاشتقاق | المعنى | وجه التسمية |
| من البَرْه | القطع | لأنه يقطع الخصم عن المحاجّة — تأتي ببرهان فتقطعه من الجدال |
| من البُرْهة | البياض | لأنه يُبيّض القلب ويصفّيه من الجهل — يقال: امرأة بَرْهاء أي بيضاء |
ب. التعريف الاصطلاحي
البرهان: قول مؤلَّف من مقدمتين يقينيتين لإنتاج يقين
٣. برهان الوجود — القياس المنطقي
قال المصنف: «أما برهان وجوده تعالى فحدوث العالم»
الحدوث: الوجود بعد العدم.
العالَم: كل ما سوى الله تعالى، وهو منحصر في: أجرام (ذوات تقوم بنفسها) + أعراض (صفات تقوم بالأجرام).
مكوّنات العالم
| المكوّن | التعريف | الأمثلة |
| الأجرام (الذوات) | ما يقوم بنفسه / ما يأخذ قدر ذاته من الفراغ | كتاب، هاتف، إنسان، شمس، جبل، شجرة... |
| الأعراض (الصفات) | ما يقوم بغيره (بالأجرام) — لا يوجد مستقلاً | الألوان، الطول، العرض، الحركة، السكون، الوزن... |
صورة القياس المنطقي
| العنصر | المضمون | الاسم المنطقي |
| المقدمة الصغرى | العالم حادث | الحد الأصغر = العالم |
| المقدمة الكبرى | وكل حادث لابد له من محدِث | الحد الأوسط = حادث (متكرر) |
| النتيجة | العالم لابد له من محدِث (= الله ﷻ) | حُذف الحد الأوسط |
هذا قياس من الشكل الأول: الحد الأوسط «حادث» يتكرر في آخر المقدمة الأولى وأول المقدمة الثانية، ثم يُحذف من النتيجة. شرطه: المقدمة الصغرى موجبة + المقدمة الكبرى كلية.
أمثلة توضيحية على القياس
- نيوتن إنسان + كل إنسان يموت = نيوتن يموت
- ٤ عدد زوجي + كل عدد زوجي يقبل القسمة على ٢ = ٤ يقبل القسمة على ٢
- الظهر صلاة + كل صلاة لابد لها من استقبال القبلة = الظهر لابد لها من استقبال القبلة
- زيد فاعل + كل فاعل مرفوع = زيد مرفوع
٤. دليل المقدمة الكبرى: كل حادث لابد له من محدِث
برهان بالخُلف (إثبات بالاستحالة): نفترض العكس ونُبيّن أنه يؤدي إلى محال، فيثبت الأصل.
خطوات البرهان
- الفرض: لو لم يكن للعالم محدِث، بل حدث بنفسه
- المعطى: العالم جائز الوجود — يقبل الوجود والعدم على حد سواء
- المشاهدة: العالم موجود بالفعل — إذن ترجّحت كفّة الوجود
- المحال: القول بحدوثه بنفسه = أن أحد الأمرين المتساويين (الوجود والعدم) ترجّح بلا سبب = اجتماع ضدّين (المساواة والرجحان) في آنٍ واحد = مستحيل
- النتيجة: لابد من مرجِّح = محدِث = الله سبحانه وتعالى
مثال الميزان
تصوّر ميزاناً بكفّتين متساويتين:
— كفّة وجود العالم وكفّة عدم العالم
— العالم جائز الوجود → الكفّتان متساويتان
— بالمشاهدة: كفّة الوجود رجحت (العالم موجود)
— القول بأنها رجحت بلا سبب مع فرض التساوي = ميزان متساوي الكفّتين ترجّحت إحداهما بلا شيء = مستحيل!
— إذن: لابد من مرجِّح رجّح الوجود على العدم.
قال الشيخ المارغني: «فرُجحان إحدى الكفّتين على الأخرى مع فرض تساويهما — لابد له من مرجِّح، وإلا لزم المحال وهو اجتماع ضدّين: المساواة والرجحان»
٥. المقدمة الصغرى: العالم حادث
العالم = أجرام + أعراض → إثبات حدوث العالم يحتاج دليلين:
| # | الدعوى | المطلوب إثباته |
| ١ | حدوث الأعراض | الأعراض (الصفات) كلها حادثة |
| ٢ | حدوث الأجرام | الأجرام (الذوات) كلها حادثة |
إذا ثبت أن الأعراض حادثة وأن الأجرام حادثة → ثبت أن العالم كله حادث.
٦. دليل حدوث الأعراض
الدليل: مشاهدة تغيّرها من وجود إلى عدم ومن عدم إلى وجود — وكل متغيّر حادث.
أمثلة من المشاهدة
- الشمس: صباحاً في الشرق (موجودة في الشرق، معدومة في الوسط) → ظهراً في وسط السماء → مساءً في الغرب
- الإنسان: يكون صغيراً → طفلاً → شاباً → كهلاً — أشياء تظهر وأشياء تختفي
- النبات: بذرة → نبتة → نمو → موت
- الليل والنهار: كل نهار يصبح ليلاً وكل ليل يصبح نهاراً
القياس المنطقي
| المقدمة الأولى: | الأعراض تتغيّر من وجود إلى عدم ومن عدم إلى وجود (مشاهدة) |
| المقدمة الثانية: | وكل متغيّر حادث (قاعدة عقلية) |
| النتيجة: | الأعراض حادثة |
٧. دليل حدوث الأجرام
الدليل: أجرام العالم ملازمة للأعراض الحادثة (كل جرم له مكان وزمان وأبعاد = أعراض)، وكل ما لازم الحادث فهو حادث.
القياس المنطقي
| المقدمة الأولى: | أجرام العالم ملازمة للأعراض الحادثة |
| المقدمة الثانية: | وكل ما لازم الحادث فهو حادث (قاعدة عقلية أوّلية بديهية) |
| النتيجة: | أجرام العالم حادثة |
قاعدة مهمة: كل ما لازم الحادث فهو حادث — وكل ما لازم القديم فهو قديم. لا تقوم الحوادث بالقديم، ولا تقوم الصفات القديمة بالحادث. الله سبحانه وتعالى ليس جرماً ولا تقوم به حوادث.
خلاصة البرهان الكامل
الأعراض حادثة (بدليل التغيّر المشاهد) ←
+ الأجرام ملازمة للأعراض الحادثة ← الأجرام حادثة ←
= العالم (أجرام + أعراض) حادث ←
+ كل حادث لابد له من محدث ←
= العالم لابد له من محدث = الله سبحانه وتعالى
المطالب السبعة: ذكر الشيخ أن إثبات حدوث العالم يُبتنى على سبع مطالب فلسفية مذكورة في المطولات (كتب الرازي والجويني والغزالي). تُدرس في مستويات أعلى إن شاء الله.
أسئلة وأجوبة للمراجعة
س١: ما منهج الإمام السنوسي في أم البراهين؟
يذكر العقائد الواجب تحصيلها على كل مكلّف، ثم يأتي ببرهان (دليل) على كل عقيدة، لإخراج المكلّف من التقليد إلى المعرفة.
س٢: ما معنى البرهان لغة واصطلاحاً؟
لغة: من البَرْه = القطع (يقطع الخصم عن المحاجة)، أو من البُرْهة = البياض (يبيّض القلب ويصفّيه من الجهل).
اصطلاحاً: قول مؤلَّف من مقدمتين يقينيتين لإنتاج يقين.
س٣: ما هو برهان وجود الله تعالى؟
حدوث العالم. العالم حادث (= وُجد بعد عدم)، وكل حادث لابد له من محدِث، فالعالم لابد له من محدِث — وهو الله سبحانه وتعالى.
س٤: ما الفرق بين الأجرام والأعراض؟
الأجرام: الذوات — ما يقوم بنفسه ويأخذ حيزاً (كتاب، إنسان، شمس).
الأعراض: الصفات — ما يقوم بغيره ولا يوجد مستقلاً (ألوان، حركة، سكون، طول).
س٥: كيف يُركَّب برهان الوجود على صورة القياس المنطقي؟
مقدمة صغرى: العالم حادث. مقدمة كبرى: وكل حادث لابد له من محدِث. النتيجة: العالم لابد له من محدِث. (الحد الأوسط «حادث» يُحذف من النتيجة).
س٦: ما دليل المقدمة الكبرى (كل حادث لابد له من محدث)؟
برهان بالخُلف: لو حدث العالم بنفسه بلا محدث → لرجح أحد طرفي الممكن (الوجود والعدم) بلا سبب مع فرض تساويهما = اجتماع المساواة والرجحان = اجتماع ضدين = محال. فلابد من مرجِّح (= محدِث).
س٧: ما مثال الميزان؟ وكيف يوضح البرهان؟
كفّتان متساويتان: وجود العالم وعدمه. العالم جائز فالكفّتان متعادلتان. بالمشاهدة كفّة الوجود رجحت. القول بأنها رجحت بلا سبب = ميزان متساوٍ ترجّحت إحدى كفّتيه بلا شيء = مستحيل. لابد من مرجِّح.
س٨: لماذا تحتاج المقدمة الصغرى (العالم حادث) إلى دليلين لا دليل واحد؟
لأن العالم يتكون من أجرام وأعراض. فلإثبات حدوث العالم يلزم إثبات: (١) حدوث الأعراض + (٢) حدوث الأجرام.
س٩: ما دليل حدوث الأعراض؟
مشاهدة تغيّرها من وجود إلى عدم ومن عدم إلى وجود (الشمس تتحرك، الإنسان يكبر ويموت...). وكل متغيّر حادث. فالأعراض حادثة.
س١٠: ما دليل حدوث الأجرام؟
أجرام العالم ملازمة للأعراض الحادثة (كل جرم له مكان وزمان وأبعاد). وكل ما لازم الحادث فهو حادث. فأجرام العالم حادثة.
س١١: ما معنى قاعدة «كل ما لازم الحادث فهو حادث»؟
إذا كان شيء لا ينفك عن شيء حادث (= له بداية)، فهو بالضرورة حادث أيضاً. لأنه لا يصح أن يكون قديماً (بلا بداية) وملازماً لشيء له بداية — إذ كان الحادث معدوماً قبل وجوده، فأين كان الملازم له؟
س١٢: لماذا لا تقوم الحوادث بالقديم؟
الله سبحانه وتعالى متصف بكل كمال أزلاً. فلو قامت به حوادث → هل كان ناقص الكمال قبلها؟ لا. هل زادت في كماله؟ لا. فلا معنى لقيامها به. الله كان ولم يكن شيء معه.
س١٣: ما هي المطالب السبعة؟
سبع مطالب فلسفية يُبتنى عليها إثبات حدوث العالم، مذكورة في المطولات (ككتب الرازي والجويني والغزالي). تُدرس في مستويات أعلى وهي من دقائق علم الكلام.